الفصل الأول

المطالب العراقية بالكويت

                       

"لقد قام البريطانيون باقتطاع الكويت من العراق."

                                                         جيمس بيكر الثالث[1]

 

عندما قام العراق بغزو الكويت في الثاني من أغسطس/آب 1990, أصيب كثير من الناس  بصدمة لما آلت إليه العلاقات العربية. ومع ذلك, فان دارسي التاريخ لم يدهشوا لمعرفتهم بالمطالب العراقية بالكويت. أما الولايات المتحدة ودول التحالف الأخرى, فقد تبنت وجهة النظر الكويتية بالنسبة لأسباب حرب الخليج. وفى نفس الوقت, فان هذه الدول قد تجاهلت المطالب العراقية التاريخية بالكويت. وهذا الفصل يهدف إلى التقريب بين الرؤيتين, وذلك بمعالجة الأزمة من منظار تاريخي أوسع يشمل المطالب العراقية بالإضافة إلى الأسباب المباشرة للازمة. وعلى وجه الخصوص, سيتم بحث العلاقات العراقية~الكويتية لفهم الدور الذي لعبته تلك المطالب في صنع الأزمة.

 

حكم آل صباح في الكويت

 

تنتمي أسرة آل صباح التي تحكم الكويت الآن في أصولها إلى قبيلة العتوب,[2] والتي تنتمي بدورها إلى نظام قبلي نجدي أكبر يعرف بتجمع عنيزة. وفى حوالي العام 1701, هجرت ثلاثة عشائر من قبيلة العتوب مواطنها في الأفلاج, بجنوب شرق العاصمة السعودية الحالية, الرياض. وهذه القبائل هي: آل صباح وآل خليفة وآل جلاهمة.[3] في البداية, توجهت هذه العشائر إلى البحرين, ثم إلى قطر, ولكن قبيلة حويله هناك أجبرتها على الخروج من شبه الجزيرة القطرية الصغيرة. بعد ذلك, اتجهت تلك العشائر شمالاً إلى البصرة, حيث طلبت من متصرفها (حاكمها) علي باشا أن يمنحها اللجوء في منطقة حكمه. وقد وافق المتصرف على ذلك نظراً لارتباط العتوب بعلاقات تجارية مع تجار البصرة. وفى عام 1716, تحرك العتوب جنوباً ليستوطنوا موقع الكويت الحالية بعدما وافق متصرف البصرة على طلب أكبر شيوخهم, الشيخ صباح, بالاستقرار هناك.

         وعندما وصلتها عشائر العتوب, كانت الكويت[4] تسمى القرين, أي تصغير قرن, الذي كان يشير إلى شكل الأرض المحيطة بخليج الكويت. أما المنطقة المتاخمة بها فقد كانت تدعى كاظمة.[5]  وكانت كلتاهما تحت سيطرة قبيلة بنى خالد لأكثر من قرن من الزمان. لذلك, كان على العتوب أن يأخذوا إذناً آخر للاستقرار هناك من شيخ بنى خالد, محمد بن عريعر. الذي أذن لهم في ذلك عام 1755. واتفقت عشائر العتوب الثلاثة فيما بينها على أن يترك الحكم لآل صباح, ويقوم آل خليفة بالتجارة, ويعمل آل جلاهمة في صيد الأسماك.[6] وهكذا, أصبح صباح الأول شيخا لقبيلة العتوب كلها في القرين, عام 1756. وأصبحت المنطقة تعرف تدريجيا باسم الكويت. كذلك, بدأت تكتسب أهمية استراتيجية, لاسيما بعد الهجمات الفارسية على البصرة, والتي أدت لجعل الكويت مركزاً تجارياً أكثر أمناً للتجار الأوروبيين.[7]

         وخلال العقد السابع من القرن الثامن عشر, ترك آل خليفة الكويت إلى جزر البحرين بعدما استأجروها من قبيلة المطاريش. وفى العامين 1782/1783, طلب منهم الرحيل بعدما توقفوا عن دفع الإيجار المتفق عليه. لكن آل خليفة قاوموا ضغوط إخلائهم من الجزر بفضل المساعدة العسكرية التي تلقوها من آل صباح. وفى عام 1800, قام السعوديون بمهاجمة البحرين وضموها لنجد. على إثر ذلك, رحل آل خليفة مؤقتا إلى زباره في قطر, إلى أن عادوا للبحرين[8] بمساعدة أبناء عمومتهم, آل صباح.[9]

         وهكذا, يبدو جليا ومنذ البداية أن الكويت كانت جزءا من متصرفية البصرة, وأن أفراد عشائر العتوب الثلاثة, بما في ذلك آل صباح, تم قبولهم كلاجئين في أراضيها. وهناك شواهد تاريخية أخرى تبين أن الكويت كانت أيضاً جزءاً من البصرة طيلة الحكم العثماني للعراق. ففي عام 1827, وضع الشيخ جابر الأول (أنظر الملحق 1.أ) الأسطول الكويتي تحت تصرف والى البصرة. وفي عام 1836, ساند الشيخ جابر القوات العثمانية لقمع الانتفاضة في الزبير, التي تقع بين الكويت والبصرة. وفى عام 1837, شاركت قوات كويتية مع قوات عثمانية أخرى في الهجوم على المحمرة, التي كانت مشيخة عربية على الشاطئ الشرقي للخليج العربي.[10] وعندما تعرضت البصرة للهجوم في عام 1845, انضم كويتيون لقوات عثمانية أخرى للدفاع عن المدينة. وفى تلك الأثناء, كانت السفن الكويتية ترفع العلم العثماني. وكتقدير لولائه, فإن الشيخ جابر الأول قد مُنح صكوك ملكية لبعض بساتين النخيل في شبه جزيرة الفاو, الواقعة جنوب البصرة.[11]

         وبالإضافة إلى ذلك, فان الشيخ عبد الله الثاني قد ساند الحملة العسكرية التي جردها والي بغداد مدحت باشا لإخضاع الساحل الخليجي عام 1871. ونتيجة لموقفه ذاك, تمت مكافأته بلقب القائم مقام العثماني, أي أنه قد أصبح قائماً مقام والي البصرة في الكويت. ففي 1875, تم استحداث وضع إداري عثماني جديد لجنوب العراق أصبحت البصرة بموجبه كيانا إداريا أكبر من ذي قبل, أي ولاية. وقد ضمت الولاية الجديدة كلاً من البصرة نفسها والكويت والأمارة والقرنة والناصرية.[12] والجدير بالذكر أن هذه المناطق كلها لا تزال مناطق عراقية باستثناء الكويت. ومع ذلك, فان ذلك الكيان الإداري لم يكن الشاهد التاريخي الوحيد الذي يمكن استخدامه لإثبات المطالب العراقية بالكويت. فخلال القرن التاسع عشر, كان حكام الكويت يدفعون لوالى البصرة ضريبة سنوية مقدارها أربعين كيسا من الأرز وأربعمائة فارسلة (كيسا) من التمر. وفى المقابل, كانوا يتلقون الملابس الشرفية المخصصة للقائم مقام.[13]

 

البريطانيون يدخلون الحلبة: مبارك يغتصب السلطة

 

         حكم الشيخ عبد الله الثاني الكويت كقائم مقام, أي كنائب لوالى البصرة هناك, حتى وفاته في عام 1892. وكذلك حكم أخوه وخليفته, الشيخ محمد, الكويت كقائم مقام إلى أن قُتل على يد أخيه غير الشقيق, مبارك, في عام 1896. وقد اتخذ محمد من يوسف بن عبد الله آل إبراهيم, وهو عراقي من شط العرب, مستشاراً مقرباً منه. أغضب ذلك التصرف مبارك الذي أحسّ بأنه كان مبعداً عن شئون الحكم. ولكن الشيخ محمد لم يعبأ وكان يسانده في ذلك أخوه الشقيق, جراح. وفى عام 1896, قام مبارك بقتل أخويه محمد وجراح, وأصبح حاكماً للكويت. والحقيقة أن اغتصاب السلطة بالقتل أو الاغتيال كان ولا يزال متبعاً في بعض الأسر الحاكمة في الوطن العربي, نظراً للافتقار إلى سياسة واضحة ومتفق عليها للخلافة بين أفراد النخب الحاكمة. كذلك فان اغتصاب السلطة يعد الوسيلة الوحيدة المتوفرة أمام الطامحين من أفراد الأسر والنخب الحاكمة للتخلص من الحكام. وتزداد احتمالات الانقلابات السلمية والعنيفة على الحكام بتناقص فرص هؤلاء الطامحين في خلافة الحكام.[14]

        وفي حالة صعود مبارك للحكم, لعب البريطانيون دوراً أساسياً في إعداده للوصول إلى السلطة وفى حمايته بعد ذلك. وقد أصبح ذلك سمة هامة من سمات السياسة الاستعمارية البريطانية في شبه الجزيرة العربية. فقد تعين على الحكام أن يكونوا موالين للبريطانيين وإلاّ فان بريطانيا تنقلب عليهم فتؤيد خصومهم وتشجعهم لتولى الحكم بدلاً عنهم. وقد أبدت بريطانيا اهتماماً بتطوير علاقاتها بالكويت منذ توطيد حكم آل صباح فيها خلال القرن الثامن عشر. فقد سمح الشيخ عبد الله الأول, الذي حكم من 1762 إلى 1812, للبريطانيين ببناء مركز تجارى في الكويت وبالاحتفاظ بقوة من الجنود الهنود لحراسته. لكن خليفته, الشيخ جابر الأول والذي حكم من 1812 إلى 1859, لم يكن مهتما بالحفاظ على العلاقات التجارية مع البريطانيين. لذلك فإنه رفض عرضين بريطانيين برفع العلم البريطاني على السفن الكويتية وبالمحافظة على الوجود البريطاني في المركز التجاري. كذلك فعل الشيخ صباح الثاني, الذي حكم من 1859 إلى 1866. أما ابني صباح, عبد الله الثاني (11866-1892) ومحمد الأول (1892-1896), فقد كان ولاؤهما للدولة العثمانية كافياً لدرجة أنهما قد رفضا تطوير أية علاقات غير عادية مع البريطانيين. وبحلول ذلك الوقت, أصبح التنافس الاستعماري الأوروبي على ممتلكات الدولة العثمانية الضعيفة شديداً. ولذلك فإن صبر بريطانيا بدأ ينفذ إزاء السياسات الموالية للدولة العثمانية التي كان يتبعها شيوخ الكويت. وهكذا, وجد البريطانيون في مبارك فرصتهم المثلى للتحكم في الكويت.

         وقد أدى تطابق المصالح بين مبارك والبريطانيين إلى حصوله على مساندتهم في اغتصابه للسلطة. فقد كان يشعر أن أخويه غير الشقيقين, محمد وجراح, قد تركاه وحيداً. وكان يشكو من أن أمين الخزانة, يوسف آل إبراهيم, هو الحاكم الفعلي للكويت. وفوق ذلك, كان يعتقد أن سوء المعاملة التي كان يلقاها من أخويه سببها تأثير يوسف عليهما. ولذلك, فانه كان يقضى معظم وقته في الصحراء, خارج مدينة الكويت, في النهب والسلب. كما أنه سافر إلى الهند وقضى بعض الوقت في مدينة بومبي. وهناك, قدم له بعض عملاء الحكومة البريطانية مبالغ كبيرة من المال مكنته من أن يخسر في القمار بسعادة غامرة. ولكي يسترد العملاء البريطانيون أموالهم التي أقرضوها لمبارك, فقد أقنعوه بإنهاء حكم أخيه حتى يصبح هو شيخاً للكويت. ولم يكتفوا بإقناعه فقط, وإنما قاموا بتجهيز الحملة المسلحة التي مكنته من تحقيق غرضه.

         وفي 17 مايو/أيار 1896, ترك مبارك الصحراء متوجهاً إلى مدينة الكويت, يصحبه أبناؤه جابر وسالم وكذلك لفيف من أتباعه المخلصين. وبعدما مُنح الإذن بالدخول إلى قصر أخيه, قسَّم أتباعه إلى ثلاث مجموعات. فحدد لنفسه مهمة قتل أخيه الشيخ محمد. أما ابنه الأكبر جابر, فكان عليه قتل عمه جراح. وأناط إلى ابنه الأصغر سالم ومعه مجموعة من الاتباع مهمة احتلال بوابة القصر من الداخل, حتى يمنعوا خروج أحد من الداخل ويقتلوا الحراس إذا حاولوا التدخل. وقد نفذت العملية كما تم التخطيط لها فيما عدا بعض الصعوبات التي سببتها زوجة جراح في محاولتها اليائسة للدفاع عن زوجها. وفي اليوم التالي, خاطب مبارك الناس قائلا أن مشيئة الله قد قضت بأن يموت أخواه في الليلة الماضية, ثم أعلن نفسه شيخا جديداً. ولم يجد ما فعله أو أعلنه أي معارضة من الناس لا قولاً ولا فعلاً.

         لكن يوسف آل إبراهيم ومعه أولاد الشيخين القتيلين تمكنوا من الهرب واللجوء إلى البصرة, حيث استنجدوا بالوالي. وقد وصفوا مبارك بأنه أداة بيد البريطانيين, وطلبوا من السلطات العثمانية مساعدة سعود بن محمد لاسترداد منصب أبيه المغتصب كقائم مقام عثماني للكويت. لكن جهودهم لم تفلح في البداية, لأن والي بغداد لم يؤيدهم. فقد شعر بالإهانة لأنهم لم يلجأوا إليه أولاً, بدلا ًمن والى البصرة الذي كان أقل منه شأناً. ليس ذلك فحسب, بل إنه أيد ادعاءات مبارك بأن القاتل هو يوسف آل إبراهيم. وقد أدى موقف والي بغداد ذاك إلى منح مبارك لقب قائم مقام الوالي في الكويت, في عام 1897. وبالرغم من ذلك, لم ينعم مبارك بالاطمئنان لأن خصومه كانوا لا يزالون أحياء في البصرة يرزقون. ولذلك, فإنه طلب الحماية البريطانية مرتين في عامي 1897 و 1898. لكن البريطانيين رفضوا طلبيه ونصحوه بالبقاء تحت السيادة العثمانية, وذلك لأنهم لم يكونوا راغبين في تلك المرحلة في إثارة أية شكوك عثمانية نحوهم كما أنهم لم يروا أية تهديدات لمصالحهم في المنطقة. ولكن البريطانيون غيروا من موقفهم عندما بدأت دول أوروبية أخرى تبدى اهتماماً بالكويت. ففي عام 1898, أصبحت روسيا مهتمة بشكل جدي بمشروع مد سكة حديدية تربط طرابلس اللبنانية بالكويت. وفي نفس الوقت, كانت ألمانيا تحاول بنفس الجدية الحصول على موافقة السلطان العثماني على مشروع سكة حديد برلين~بغداد, والذي كانت الكويت محطته النهائية على الخليج العربي.

         وهكذا, تلقى المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي, م ج ميد, تعليمات من نائب الملك في الهند, اللورد كيرزون, بأن يوقع اتفاقية حماية مع مبارك في 23 يناير/ كانون الثاني 1899. وطبقا للاتفاقية, وعدت بريطانيا بحماية الكويت من الهجمات الخارجية واعترفت بمبارك وورثته من بعده كحكام شرعيين لها. كذلك قررت بريطانيا منح مبارك راتباً شهرياً مقداره 15,000 روبية هندية. وفى المقابل, وافق مبارك على ألا يتعامل مع أية دولة أخرى بدون موافقة بريطانيا (ملحق 1.ب). وقد أثبتت اتفاقية الحماية أنها لا تقدر بثمن لمبارك ولورثته من بعده, فقد مدت بريطانيا يد العون لهم وأنقذتهم في كل مرة تعرضوا فيها للخطر طيلة القرن العشرين.[15]

 

المحاولات العراقية لاسترجاع الكويت

 

         لم يشأ يوسف آل إبراهيم إضاعة الوقت, فاستمر في محاولاته حتى أقنع حمدي باشا, والى البصرة, بقيادة تحالف كبير لاستعادة الكويت من مبارك. وقد ضم ذلك التحالف كلاً من شيخ قطر قاسم آل ثاني, وشيخ حائل محمد آل رشيد, بالإضافة إلى مجموعة من الأتباع المخلصين للشيخين المغدورين. وعندما شعر مبارك بالخطر, بدأ الحرب بشن ضربة وقائية ضد آل رشيد في الصريف عام 1901. ورغم أنه هُزم, إلاّ أن بريطانيا قد أكدت حمايتها له. وكرد على هجوم مبارك على أتباعها في شبه الجزيرة العربية, أصدرت الحكومة العثمانية أوامرها لوالي بغداد باسترجاع الكويت بالقوة. لكن والي بغداد لم يكن متحمسا لاستخدام القوة لتحقيق ذلك الهدف. وبدلاً من ذلك, ذهب بنفسه إلى مبارك وعرض عليه أن يصبح عضواً في المجلس الاستشاري العثماني (البرلمان) في اسطنبول, أو أن يعيش في أي مدينة عثمانية يختارها, براتب شهري يتقاضاه هناك. وعندما رفض مبارك مغادرة الكويت, أقنعه الوالي بإظهار ولائه للدولة العثمانية بأن يتصرف كقائم مقام عثماني. عندها, وافق مبارك وأنقذ نفسه من هجوم عثماني وشيك. لكنه سرعان ما أظهر عدم ولائه عندما رفض في نفس السنة, 1901, السماح لقوات عثمانية بالتمركز في الكويت. وقد أدى موقفه ذاك إلى أن تبدأ الحكومة العثمانية في العراق بالنظر إلى الكويت على أنها منطقة مغتصبة, وإلى مبارك على أنه شيخ متمرد. ومنذ ذلك الحين, وخلال القرن العشرين, قامت الحكومات العراقية المتعاقبة بعدة محاولات لاسترداد الكويت. وكانت المحاولة الأولى في عام 1901, مباشرة بعد رفض مبارك قبول القوات العثمانية في الكويت, وكان ذلك بعد عامين من توقيعه معاهدة الحماية مع بريطانيا. وقامت بالمحاولة قوات من الحامية العثمانية المرابطة في البصرة, وقوات من عرب شمر, من أتباع محمد آل رشيد.[16] لكن تلك القوات قد انسحبت بدون قتال عندما تصدت لها قوات من البحرية البريطانية وكذلك نتيجة لعودة محمد آل رشيد لمنطقة حكمه بعدما وصلته أخبار عن تمرد هناك.

         أما المحاولة الثانية لاسترجاع الكويت فقد جرت في السنة التالية, 1902. وقادها يوسف آل إبراهيم وحمود بن جراح, ابن أخ مبارك, يساندهما أعضاء من قبيلة الشريفات. وقد أبحروا بسفينتين من دوره على شط العرب ونزلوا في رأس العجوزة, إلى الشرق من مدينة الكويت. وهناك, اكتشفتهم القوارب المسلحة التابعة للسفينة البريطانية, لابويغ, واشتبكت معهم في قتال مرير. وانتهت المعركة بأسر السفينتين, لكن يوسف وحمود وبعض اتباعهما تمكنوا من العودة للبصرة مستخدمين عدداً من القوارب الصغيرة. وهكذا, فان المحاولة الثانية لاسترجاع الكويت قد فشلت أيضاً نتيجة للحماية البريطانية لمبارك. وعلى إثر المعركة, اتفقت الحكومتان البريطانية والعثمانية على الحفاظ على الوضع كما هو في الكويت, الأمر الذي أراح مبارك من الانشغال بتهديدات خصومه.[17]

         ولكي تظهر مزيداً من التأييد لمبارك بعد هاتين المحاولتين ضده, أرسلت بريطانيا نائب الملك في الهند, اللورد كيرزون, لزيارة الكويت في عام 1903. كذلك قامت بتعيين أول وكيل سياسي بريطاني معتمد في الكويت عام 1904, وهو س ج نوكس. وكتعبير عن عرفانه بالجميل, وافق مبارك على تأجير البريطانيين قطعة من الأرض تمتد لمسافة ميلين ما بين مدينة الكويت غربا وبندر الشويخ. وفي المقابل, وافق البريطانيون على دفع إيجار سنوي له مقداره 60,000 روبية هندية, كما أكدوا له اعترافهم بأن الكويت والأراضي التابعة لها تعود له ولورثته من بعده, وأنهم سيحمونه في أوقات الخطر.[18]

        وفى عام 1913, اتفقت بريطانيا والدولة العثمانية على رسم الحدود بين "دول" ومشيخات الخليج العربي, والتي أصبح معظمها تحت الحماية البريطانية. لكنّ تلك الاتفاقية لم يتم التصديق عليها بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914.[19] وطبقاً للمادة الخامسة من تلك الاتفاقية, فإنه قد تم رسم المناطق التابعة للكويت على شكل دائرة نصف قطرها أربعين ميلا, مركزها مدينة الكويت, يحدها شمالاً خور الزبير, وجنوبا القريعين. وقررت تلك المادة أن المناطق الكويتية تشمل جزر وربه وبوبيان ومسكان وفيلكه وأم المرادم وعوها وكبر وقاروه والمقطع, وكذلك الجزر الصغيرة المجاورة لها. وهكذا, فإنه طبقاً لاتفاقية 1913 غير المصدقة, تم اعتبار جزيرة بوبيان على أنها تابعة للكويت. ومع ذلك, فإن الجزيرة بقيت جزءاً من الأراضي العراقية حتى بداية الحرب العالمية الأولى. ففي 3 نوفمبر/تشرين ثاني 1914, حثت الحكومة البريطانية مبارك الصباح, في رسالة موجهة إليه, أن يهاجم أم قصر وصفوان وجزيرة بوبيان بهدف عرقلة المجهود الحربي العثماني.[20] وهكذا يمكن اعتبار هذه الحقيقة التاريخية دليلاً يمكن استخدامه لمساندة المطالب العراقية بجزيرة بوبيان, والتي ظهرت إلى السطح في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين.

         وفعلاً, شارك مبارك في المجهودات الحربية البريطانية ضد الدولة العثمانية وحلفائها في المنطقة حتى وفاته عام 1915. وقد خلفه ابنه الأكبر جابر الذي كان حكمه قصيراً حيث توفى عام 1917. وتلا جابر أخوه سالم الذي حكم حتى وفاته عام 1921. ثم تولى حكم الكويت بعد ذلك الشيخ أحمد الجابر الذي استمر في الحكم حتى عام 1950. وقد انتهت الحرب العالمية الأولى بهزيمة الدولة العثمانية وبتقسيم ولاياتها وأراضيها بين الدول الأوروبية المنتصرة. وبما أن العراق قد أصبح تحت النفوذ البريطاني مثل الكويت, فقد انتهت حالة العداء بين البلدين. ومع ذلك, استمر التوتر بينهما على شكل نزاعات حدودية. لكن بريطانيا رأت أن من مصلحتها أن تهدئ من تلك المنازعات التي تهدد الاستقرار في المناطق الخاضعة لها. من أجل ذلك, قام المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي, السير بيرسي كوكس, بعقد مؤتمر في العقير, بالسعودية الآن, عام 1922. وقد استخدم كوكس الاتفاقية البريطانية~العثمانية غير المصدقة, والتي وقعت عام 1913, كأساس لرسم الحدود المشتركة بين الكويت والسعودية والعراق.

         لم تتوقف المطالب العراقية بالكويت بعد مؤتمر العقير. فالاتفاقية البريطانية~العثمانية الموقعة في عام 1913 لم تكن ملزمة للعراق لأنها لم يتم التصديق عليها أبداً. ولكن بدلاً من الحملات العسكرية, شنت الحكومة العراقية حملة إعلامية ضد الشيخ أحمد الجابر. واستمر الملك فيصل في انتقاد الاحتلال البريطاني للبلاد العربية, بما في ذلك الكويت.[21] وعندما توفى في عام 1933, خلفه ابنه غازي الذي كان في الحادية والعشرين من عمره. وكان الملك غازي أكثر حماساً من أبيه في الحديث عن قضية الوحدة العربية. وعلى الأخص, كان أكثر انتقاداً لشيخ الكويت وحماته البريطانيين. وعلى الرغم من الاحتجاجات البريطانية على تلك السياسة العراقية, إلاّ أن حملة الملك غازي الإعلامية ضد شيخ الكويت لم تتوقف. وتصاعد التوتر بين الملك وسلطات الاحتلال البريطانية لدرجة أنه عندما توفى في حادثة سير في 14 مارس/آذار 1939