الفصل العاشر

التطهير العرقي والإرهاب

 ضد الفلسطينيين  والمهاجرين العرب في الكويت

 

          بعد انتهاء حرب الخليج عام 1991, تناقص حجم الفلسطينيين في الكويت من جالية نشيطة وناجحة تعد بأكثر من 450,000 إلى أقل من 30,000 في عام 1998.  فقد أجبرهم الكويتيون على الرحيل عن البلاد مستخدمين ضدهم حملة تطهير عرقية عنيفة ومنظمة. وكانت ذريعتهم في ذلك أن القيادة الفلسطينية قدمت المساندة للعراق أثناء الأزمة. وقد بدأت الفظائع[1] الكويتية ضد الفلسطينيين أثناء الأزمة وقبل الحرب, أي في عام 1990, ولكنها تصاعدت بحدة مباشرة بعد الحرب ابتداء من 28 فبراير/ شباط 1991 ولعدة أشهر تلت. وقد استفادت الحملة الإرهابية الكويتية من صمت الصحافة العربية والعالمية إزاءها, بسبب الرقابة الرسمية في دول التحالف والانشغال بتغطية نشوة النصر. وقد كان ذلك موقفاً غريباً لاسيما من أجهزة الإعلام الغربية, فبينما توسعت شبكات التلفزيون في تغطية أخبار الحرب, فإنها نادراً ما كانت تشير إلى ما يجرى ضد الفلسطينيين في الكويت. وكانت الصحف أكثر موضوعية من وسائل الإعلام الأخرى, فقام القليل منها بتغطية الحملة الإرهابية الكويتية ولكن تلك التغطية لم تكن منتظمة أو مستمرة. والأهم من ذلك كله أن هذا الموضوع لا زال يتم تجنبه ليس فقط من قبل أجهزة الإعلام وإنما من قبل السياسيين في دول التحالف. فقد مرت عشر سنوات على تلك المأساة التي يندى لها جبين البشرية دون التطرق لها, ودون تحقيق العدالة, أو رد الاعتبار لفلسطينيي الكويت الأبرياء.

          يبحث هذا الفصل في تلك المرحلة المظلمة من العلاقات العربية~العربية, فيبدأ بمقدمة تتناول كيف بدأ الفلسطينيون يفدون إلى الكويت حتى أصبحوا أكبر جالية فلسطينية مهاجرة خارج فلسطين والأردن. يلي ذلك توثيق شامل للحملة الإرهابية الكويتية, والتي تجاهلها كافة المؤلفين الذين كتبوا عن حرب الخليج حتى الآن. ثم ينتهي الفصل بتحليل للتفسيرات الكويتية الرسمية لتلك الفظائع.

الهجرة إلى الكويت

 

          بدأت الهجرة الفلسطينية إلى الكويت منذ أوائل القرن العشرين. ففي عام 1932, قام الحاج أمين الحسيني, مفتى فلسطين وزعيمها آنذاك, بزيارة العديد من البلدان الإسلامية لجمع التبرعات من أجل ترميم المسجد الأقصى المبارك في القدس الشريف. وتسابق المسلمون في كل مكان للإسهام في هذا العمل النبيل, بما في ذلك الشيخ أحمد الجابر الذي كان حاكماً للكويت. فدعا المفتى للحضور لبلاده لهذا الخصوص. وعلى إثر الزيارة, طلب من المفتى أن يقوم بإرسال عدد من المعلمين الفلسطينيين للعمل في الكويت. واستجابة لذلك, وصل أول فوج من الفلسطينيين إلى هناك في عام 1936,[2] كما هو مفصل في الملحق 10.أ من هذا الفصل.

          أما أول موجة كبيرة للهجرة الفلسطينية إلى الكويت فقد أعقبت حرب عام 1948, التي أدت لنكبة ضياع فلسطين. وكان من النتائج الرئيسة لقيام إسرائيل على أنقاض فلسطين أن تحول معظم الفلسطينيين إلى لاجئين في الضفة الغربية وقطاع غزة والأردن ولبنان وسوريا. وحتى يتم إبعاد عدد كبير منهم عن حدود إسرائيل, قامت الأمم المتحدة بالتخطيط لتهجيرهم إلى الأجزاء الأخرى لاسيما البعيدة عن إسرائيل من الشرق الأوسط. وهكذا تبنت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين برنامجاً تعليمياً طموحاً يهدف إلى دمج اللاجئين في اقتصاديات الأقطار العربية, خاصة الغنية منها بالثروة النفطية. وقد حقق البرنامج التعليمي لوكالة الغوث نجاحاً فائقاً لدرجة أن مستوى التعليم الجامعي الفلسطيني في السبعينات من القرن العشرين كان من أعلى المستويات في العالم. فقد بلغت نسبة طلاب الجامعات الفلسطينيين بالمقارنة مع عدد الفلسطينيين إجمالاً حوالي 20/ 1000, في عام 1977. وكانت النسبة تزداد بين اللاجئين حتى وصلت إلى حوالي 47/ 1000, في عام 1986.[3] أما أعلى النسب في العالم, فكانت 30/ 1000 في الولايات المتحدة, و 18/ 1000 في الاتحاد السوفيتي, و 9/ 1000 في فرنسا, و 8/ 1000 في بريطانيا, و 4/ 1000 في الوطن العربي ككل.[4]    

          وكان غالبية الفلسطينيين الذين هاجروا إلى الكويت في الخمسينات من القرن العشرين من الرجال. وبينما كان الكثير منهم شباباً غير متزوجين, فإن غالبية المتزوجين منهم كانوا يتركون عائلاتهم في فلسطين أو الأقطار العربية المضيفة للاجئين. وكان قدومهم للكويت أساساً بهدف العمل وتوفير بعض النقود التي كانوا يرسلونها لعائلاتهم, أي أنهم لم يكونوا يفكرون إجمالاً بالاستقرار هناك. لذلك فإن حياتهم الاجتماعية كانت محدودة, مما أدى إلى عدم اندماجهم في المجتمع الكويتي. ومثال على ذلك ما حدث للمعلمين الفلسطينيين في جزيرة فيلكه. فقد كانوا يعيشون هناك بدون عائلاتهم, لذلك فقد سكنوا معاً في بيت واحد بالجزيرة. وكان من دواعي ذلك توفير بعض المبالغ المالية لإرسالها لعائلاتهم خارج الكويت. وذات مرة قاموا بدعوة البريطاني بيتر لينهارت إلى منزلهم, وقد أصبح هذا فيما بعد أحد علماء الأنثروبولوجيا الاجتماعية. ولدهشته, فإنه اكتشف أنهم لم يكونوا يفكرون في حياتهم بالكويت. وبدلا من ذلك, فان فلسطين هي التي كانت تسكن في عقولهم. وكان من المهم جداً بالنسبة لهم أن يشرحوا له كيف بدأت المشكلة الفلسطينية, وكيف أن بريطانيا كانت هي المسئولة عن حدوثها. فمن خلال وعد بلفور الذي أصدره وزير الخارجية البريطانية في عام 1917, تبنت بريطانيا المشروع الصهيوني الذي كان يهدف إلى إقامة إسرائيل على أنقاض فلسطين وعلى حساب الشعب الفلسطيني. كذلك فإنهم كانوا يلومون الولايات المتحدة لمساندتها لإسرائيل.[5] والحقيقة أن تفكير أولئك الفلسطينيين في الكويت لم يكن يختلف عن تفكير باقي الفلسطينيين أينما وجدوا طيلة الخمسينات والستينات من القرن العشرين. فلم يكونوا يصدقون ما تعرضوا له من ظلم البريطانيين والأميركيين والإسرائيليين, بعد أن أخذ منهم الإسرائيليون وطنهم بالقوة وطردوهم من مدنهم وقراهم ليعيشوا في تلك المخيمات. وفوق ذلك, كان متوقعاً منهم أن ينسوا القضية كلها ويعيشوا بهدوء وسكينة في مخيمات اللاجئين. ولكن بالرغم من قسوة تلك النكبة, فإنهم لم يقبلوا نتيجتها الجائرة وقرروا الاعتماد على أنفسهم. ومكنهم التعليم من تحقيق ذلك الهدف من خلال الحصول على الوظائف خارج المخيمات وفى الأقطار العربية. وكانوا بتصرفهم ذاك يمثلون الرعيل الأول من الرواد الذين ألهموا الأجيال الصاعدة من الفلسطينيين للالتحاق بالتعليم العالي كوسيلة للخلاص من الذل والفقر اللذين تجسدهما الحياة في مخيمات اللاجئين.

          أما عن كيفية تعامل الكويتيين مع الفلسطينيين في الخمسينات والستينات, فقد كانت تلك المرحلة تمثل شهر العسل إذا جاز التعبير. فقد كانت المعاملة حسنة جداً لدرجة أن أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية, أحمد الشقيري, قام بالتعبير عن مشاعر الامتنان لذلك أثناء زيارته للكويت في عام 1964. فما كان من مضيفه الشيخ صباح السالم, الذي كان وزيراً للخارجية قبل أن يصبح أميراً فيما بعد, إلا أنْ رد قائلاً بأن الفلسطينيين يستحقون المعاملة الحسنة بسبب مهاراتهم وطريقتهم الجدية في العمل. وأضاف قائلاً: "أنظر إليهم, إن بينهم أفضل الجراحين وأفضل الأطباء وأفضل الإداريين. وبدون هذه المهارات, ما كان من الممكن أن يتم تعيينهم في هذه المناصب."[6] واعترافاً بالخدمات الجليلة التي قدموها للكويت, فإن حوالي ألفي فلسطيني من الرواد الأوائل قد منحوا الجنسية الكويتية.[7]

          وقد لعب الرواد الأوائل من فلسطينيي الكويت وأقطار الخليج العربي الأخرى دوراً رئيساً في قيادة نضال الشعب الفلسطيني لاسترداد حقوقه السليبة في فلسطين. فشاركوا في تأسيس مختلف الأحزاب والمنظمات الفلسطينية سواء قبل مجيئهم لمنطقة الخليج أو أثناء وجودهم فيها. وقد عمل العديد من الزعماء الفلسطينيين, ومن بينهم ياسر عرفات, في الكويت بالذات. وكانت الكويت وأقطار الخليج الأخرى محط أنظار الفلسطينيين الباحثين عن العمل. وكان بعض هؤلاء يصلونها من خلال طرق طويلة وخطيرة وسرية في بعض الأحيان, ذلك لان أقطاراً عربية عديدة كانت تحد من حركتهم بعد حرب عام 1948. لذلك كان بعض الفلسطينيين يغامرون للوصول إلى الكويت من خلال الطرق الصحراوية التي تمر بالأردن وسوريا والعراق تفادياً لمراكز الحدود. وكان الكثيرون منهم يموتون في الصحراء أو يتم القبض عليهم إذا ما تم اكتشافهمً ثم يعادون إلى المخيمات أو المدن والقرى التي أتوا منها. وقد ألهمت قصص هؤلاء الرجال الأديب الفلسطيني غسان كنفاني, فكتب روايته الشهيرة, "رجال في الشمس," التي وصف فيها معاناة ذلك الجيل من المغامرين.[8] وكان غسان كنفاني نفسه من الرواد الأوائل, وقد أصبح مناضلاً ثم شهيداً من أجل قضيته العادلة (لمزيد من التفصيل, اقرأ الملحق 10.ب).

          ومع نهاية الستينات من القرن العشرين, أصبح خريجو الجامعات الفلسطينيون يشكلون المجموعة الرئيسة من المتقدمين للحصول على الوظائف في الأقطار العربية المصدرة للنفط, بما في ذلك الكويت. كما أن حرب عام 1967 ونتائجها أقنعت الفلسطينيين بأن إقامتهم في تلك الأقطار أصبحت دائمة. لذلك بدأت تصرفاتهم تختلف. فبعد أن كانت حياتهم تدور حول فكرة أن إقامتهم في تلك الأقطار مؤقتة, أصبحوا يتصرفون على أساس أنهم يقيمون هناك بصفة دائمة. وأصبح ذلك يعنى عملياً أنه بمجرد أن يحصل أحدهم على وظيفة, فإنه يتزوج أو يحضر عائلته إذا كان متزوجاً. وفى كلتا الحالتين فإنه يقوم باستئجار سكن لعائلته وينفق معظم دخله في البلد الذي يقيم فيه. وعلى الرغم من رغبتهم في الإقامة الدائمة في الأماكن التي يعملون بها, فإن الكويت وأقطار الخليج العربي الأخرى لم تمنحهم الإقامة الدائمة والجنسية التي يستحقونها حسب القوانين المعمول بها, شأنهم في ذلك شأن باقي المهاجرين إلى منطقة الخليج من الجنسيات الأخرى. وهكذا كان عليهم أن يقبلوا العيش رسمياً بإقامات مؤقتة مع انهم يعيشون هناك بشكل دائم ومنذ عشرات السنين. وحتى أبناؤهم الذين ولدوا هناك, لم يشفع لهم ذلك ولم يؤدِ إلى تغيير أحوالهم.

 

أربع موجات من الهجرة الفلسطينية

 

          أدت الحروب التي شنتها إسرائيل على العرب عامة وعلى الفلسطينيين بشكل خاص في الأعوام 1948 و 1956 و 1967 و 1982, إلى أربع هجرات فلسطينية رئيسة. وكانت الهجرة الأولى أكبر تلك الهجرات. وقد حدثت نتيجة لحرب عام 1948, والتي كانت بدورها نتيجة لتطورات تعود للسنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر. ففي عام 1897, عقد أول مؤتمر صهيوني عالمي قرر إقامة دولة يهودية في فلسطين. وعندما فشل الصهاينة في الحصول على موافقة السلطان العثماني على خطتهم, توجهوا لبريطانيا. وفى الثاني من نوفمبر عام 1917, كتب وزير خارجية بريطانيا, بلفور, رسالة للصهاينة وعدهم فيها بالمساعدة البريطانية لإقامة وطن قومي يهودي في فلسطين مع أن تعداد اليهود في البلاد لم يكن يبلغ خمسة عشر ألف نسمه. وقد أدى ذلك لبدء النضال الفلسطيني ضد الاحتلال البريطاني بهدف الاستقلال, ثم ضد الصهاينة الطامعين بعد ذلك, في محاولة للحفاظ على وحدة البلاد ولمنع تقسيمها. لكن الفلسطينيين لم يتمكنوا من تحقيق أي من هذين الهدفين. وبدلاً من ذلك, فان حرب عام 1948 التي أدت إلى إقامة إسرائيل على أنقاض فلسطين قد تمخضت عن أكبر معاناة للشعب العربي الفلسطيني. فأصبح أكثر من مليون فلسطيني من اللاجئين بعد أن تم الاستيلاء على بيوتهم وممتلكاتهم أو تم تدميرها من قبل الإسرائيليين, وبعد أن تم إجلاؤهم عن مدنهم وقراهم بالقوة وباستخدام الخطة "دال" التي اتبعتها قوات الهاغناه اليهودية.[9] ومن المثير للسخرية أنه بعد اثنتين وخمسين سنة, وبعد أن أصبح عدد الفلسطينيين حوالي سبعة ملايين معظمهم من اللاجئين, وأثناء مباحثات كامب ديفد الثانية في صيف عام 2000 بين الفلسطينيين والإسرائيليين, فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك رفض بإصرار الاعتراف بالمسؤولية الإسرائيلية عن تهجير الفلسطينيين في عام 1948, مع أن ذلك قد أصبح حقيقة منشورة وفى متناول الباحثين في كل مكان. ومما زاد من معاناة الفلسطينيين, أن الإسرائيليين لم يسمحوا لهم بالعودة إلى مدنهم وقراهم بعد الحرب كما لم يعوضوهم عن ممتلكاتهم كما نصت على ذلك قرارات الأمم المتحدة, خاصة القرار رقم 194. وهكذا بقى الفلسطينيون منذ ذلك الحين يعيشون في مخيمات اللاجئين التي أقامتها لهم الأمم المتحدة في الضفة الغربية وقطاع غزة والأردن ولبنان وسوريا.

          أما الهجرة الفلسطينية الثانية فقد نتجت عن الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة (الذي كان تحت الإدارة المصرية) في عام 1956. وكان ذلك امتداداً للعدوان الثلاثي البريطاني~الفرنسي~الإسرائيلي على مصر, والذي استهدف منطقة قناة السويس وشبه جزيرة سيناء. وقد قاوم الفلسطينيون الاحتلال الإسرائيلي مما أدى إلى استشهاد المئات وجرح الآلاف منهم. وتبع ذلك أن قام كثير من الفلسطينيين بمغادرة قطاع غزة, لا سيما الذين كانوا جنوداً ورجال شرطة أو من الشباب الذين كان الإسرائيليون يلاحقونهم. وكان الأردن المحطة الأولى لهجرة هؤلاء وذلك لصعوبة الوصول إلى مصر نظراً للاحتلال الإسرائيلي لسيناء والاحتلال البريطاني~الفرنسي لمنطقة القناة. وكانت الرحلة من غزة للخليل في الضفة الغربية, التي أصبحت جزءاً من الأردن في عام 1951, تستغرق ليلة أو ليلتين. وكانت الرحلة تتم ليلاً لأن المنطقة الفاصلة بين غزة والخليل قد أصبحت في أيدي الإسرائيليين بعد عام 1948. ومن الأردن استمر الكثير من الفلسطينيين في هجرتهم ليصلوا إلى منطقة الخليج العربي, ومن ضمنها الكويت.

          وبعد عقد آخر من السنين, اضطر مئات الآلاف من الفلسطينيين لخوض تجربة الهجرة المريرة للمرة الثالثة. فخلال حرب عام 1967, قامت إسرائيل باحتلال قطاع غزة والضفة الغربية للأردن وشبه جزيرة سيناء المصرية والمرتفعات السورية. وقد أدى الاحتلال الإسرائيلي إلى تشتيت العائلات في هذه المناطق وجعل لم شملها مستحيلاً. فأصبح على أعضاء الأسر أن يختاروا ما بين البقاء تحت الاحتلال الإسرائيلي, وهكذا يبقون منفصلين عن باقي أعضاء الأسرة المهاجرين, أو مغادرة المناطق المحتلة ليكونوا بجانب باقي أعضاء أسرهم وأقاربهم. وعلى الرغم من أن الهجرة الثالثة, التي أصبحت تعرف بالنزحة, قد بدأت مباشرة بعد الحرب إلاّ إنها استمرت لعدة سنوات بعد ذلك. وكانت الهجرة تتم إلى الأردن أولاً ومن هناك إلى البلدان الأخرى, خاصة الأقطار العربية المصدرة للنفط نظراً لتوفر العمل فيها. وقد شهدت هذه المرحلة أكبر تدفق للفلسطينيين على الكويت. ونظرا لحجم تلك الموجة من الهجرة الفلسطينية, فإن المهاجرين هذه المرة كانوا يختلفون عن سواهم في الهجرتين السابقتين. وعلى الأخص, كان من بينهم نسبة عالية من النساء والأطفال. وبالإضافة إلى ذلك, فإن غالبية المهاجرين الذين كانوا يعتبرون إقامتهم في الكويت مؤقتة أصبحوا بالفعل مقيمين هناك بصفة دائمة. كما أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة كانت تتبع سياسات من شأنها أن اقتلاع الفلسطينيين من جذورهم وإجبارهم على الهجرة. فعندما كان الفلسطينيون يضطرون للسفر إلى الخارج بهدف العمل, كانت الحكومة الإسرائيلية تصدر لهم تصاريح سفر صالحة لمدة ثلاث سنوات عليهم أن يعودوا للمناطق المحتلة أثناءها وإلاّ خسروا حقهم في العودة والإقامة في بلادهم. وكان من نتيجة تلك السياسات التعسفية أن كثيراً من الفلسطينيين لم يعد بإمكانهم العودة لبلادهم, وأصبحوا نازحين ليس لهم حق العودة.[10]

          أما الهجرة الفلسطينية الرابعة فكانت نتيجة الهجمة الشرسة ضد الوجود الفلسطيني في لبنان والتي بدأت بالحرب الأهلية اللبنانية في منتصف السبعينات وتصاعدت لتبلغ أوجها بالغزو الإسرائيلي للبنان في صيف عام 1982. وكان من نتائج تلك الهجمة أن العديد من الفلسطينيين قد اضطروا لمغادرة لبنان إلى بلدان مختلفة في جميع أنحاء العالم, ولكن القليل منهم توجهوا إلى الكويت نظراً لان الكويتيين كانوا مصممين على عدم استقبالهم هذه المرة. وهكذا, وبحلول عام 1982, أصبح معظم الفلسطينيين البالغ تعدادهم حوالي 4.4 مليون نسمه مشتتين قسرياً في الشرق الأوسط وباقي أنحاء العالم. فلبنان, على سبيل المثال, كان لديه 358,207 من الفلسطينيين والذين كانوا يمثلون حوالي 11 بالمائة من السكان, وبذلك كانوا يشكلون أكبر تجمع فلسطيني خارج فلسطين والأردن. أما الفلسطينيون في الكويت, فقد احتلوا المرتبة الثانية من ناحية العدد. فقد كان في الكويت حوالي 299,710 من الفلسطينيين والذين كانوا يمثلون حوالي 22 بالمائة من السكان (انظر الجدول رقم 1.10).

          وقد أدت الزيادة المطردة في عدد الفلسطينيين بالكويت إلى خوف الكويتيين من أن يصبحوا أقل عدداً منهم, ذلك لان الحضور الفلسطيني بهذا الحجم في البلاد ربما يشكل تحدياً سكانياً لهم. وقد وصل عدد الفلسطينيين في الكويت خلال النصف الأول من عام 1990 إلى حوالي 450,000 نسمه بينما كان عدد الكويتيين 564,262 نسمه (أنظر الجدول 2.10 والجدول 3.10). وقد كان باستطاعة الحكومة الكويتية حل مشكلة عدم التوازن السكاني تلك بأن تمنح الجنسية الكويتية لمن يستحقها من المهاجرين, بما في ذلك الفلسطينيون, ولكنها قررت ألا تفعل ذلك. وقد فضلت حل المشكلة باتخاذ إجراءات صارمة هدفها إنقاص عدد الفلسطينيين القادمين للكويت وكذلك التضييق على الفلسطينيين المقيمين هناك حتى تصبح إقامتهم في البلاد غير مريحة لهم مما يضطرهم للمغادرة. وفوق ذلك, بدأت الحكومة الكويتية في التخطيط للتخلص من الوجود الفلسطيني في البلاد برمته (كما مرَّ في الفصل الثالث). وأخذت الحكومة الكويتية تنتظر ذريعة لتنفيذ ذلك, وجاءت الفرصة عندما قامت القيادة الفلسطينية بمساندة الموقف العراقي خلال أزمة عام 1990.

 

حملة التطهير العرقي والإرهاب ضد الفلسطينيين قب