الفصل الحادي عشر

ما بعد الحرب

 

بسم الله الرحمن الرحيم

"لَئنْ بسطتَ إليَّ يدَكَ لِتقتُلَني ما أنا بباسط يديَ إليكَ لأَقتُلَكَ إنِّي أخافُ اللهَ ربَّ العالمين." المائدة-28.[1]

 

          نبه تطور أزمة الخليج والحرب التي أعقبتها إلى جملة من الحقائق الهامة التي لا تحظى بالنقاش العام في الوطن العربي والولايات المتحدة على حد سواء. فأولاً, أثبتت الأزمة أن غياب الرقابة المتبادلة والتوازن بالإضافة إلى النفوذ المتعاظم لصقور الحرب على الرئيس الأميركي قد عرَّض الديمقراطية الأميركية للخطر. ثانياً, بسبب النفوذ الطاغي الذي يمارسه أعوان إسرائيل[2] من الخبراء على قرار الحرب, يمكن اعتبار حرب الخليج بأنها كانت الحرب العربية~الإسرائيلية السابعة, التي قاتل فيها غير الإسرائيليين ضد أعداء إسرائيل من العرب.[3] ثالثاً, كانت الحرب فرصة ذهبية للصناعات العسكرية وللمستفيدين منها في الغرب لتدعيم رأيهم في ضرورة إيجاد حرب باردة جديدة, تحل من خلالها الجماعات الأصولية الإسلامية محل الشيوعيين المهزومين في الحرب الباردة الأولى كأعداء جدد للغرب. رابعاً, أدى التدخل الغربي لصالح الأنظمة المطلقة في الخليج العربي إلى تقويتها في صراعها ضد الوحدويين والقوميين العرب. ولم يؤدِ ذلك التدخل إلى إدخال إصلاحات ديمقراطية حاسمة في  تلك الأنظمة, لكنه أدى إلى زيادة إنفاقها العسكري. أخيراً, عندما تتم مقارنة رد إدارة بوش على الغزو العراقي للكويت مع موقفها من الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية, يظهر للعيان مثالاً صارخاً على ازدواج المعايير في العلاقات الدولية. وسيتم البحث في هذه الأمور الخمسة ومناقشتها في هذا الفصل, بوصفها من أهم نتائج حرب الخليج التي نادراً ما تناولها المؤلفون الآخرون.

 

حرب الخليج والديمقراطية الأميركية

 

        لقد تم اتخاذ قرار الحرب في الولايات المتحدة خلال الأسبوع الأول الذي تلا الغزو العراقي للكويت. فقد اختار الرئيس بوش الحرب تحت تأثير أعوان إسرائيل من الخبراء غير المنتخبين في إدارته. وهذه الحقيقة تشير إلى مكمن ضعف في المسار الديمقراطي الأميركي, من شأنه أن يحرم الكونغرس من المشاركة الفعلية في صنع قرار الحرب. كذلك أظهرت المداولات التي سبقت اتخاذ القرار بأن إدارة بوش لم يتوفر بها نظام الرقابة المتبادلة والتوازن المفروض وجوده في أجهزة الحكومة الأميركية. ويعود ذلك لغياب المستعربين المتعاطفين مع العرب, الذين كان من شأن وجودهم أن يوازن نفوذ أعوان إسرائيل من خبراء الإدارة. وعلى ذلك, فلم يكن مسار اتخاذ القرارات في إدارة بوش ديمقراطياً البتة. وقد ذكر كل من برنت سكوكروفت[4] ومساعده ريتشارد هاس[5] في مذكراتهما بأن قرار الحرب قد تم اتخاذه فعلياً خلال اجتماع مجلس الأمن القومي الذي انعقد بعد الغزو بيومين. وعبَّرا عن خيبة أملهما لِما حدث خلال الاجتماع الأول للمجلس (الذي انعقد بعد الغزو مباشرة), وخاصة عدم اهتمام أعضاء المجلس آنذاك بإظهار معارضتهم للغزو. لذلك, قرر هاس وسكوكروفت أن يعربا عن معارضتهما القوية للغزو في الاجتماع الثاني للمجلس. وعندما فعلا ذلك, فإنهما أثرا على الأعضاء الآخرين في المجلس, وعلى الرئيس, الأمر الذي أدى بهؤلاء جميعاً إلى معارضة الغزو أيضاً. وقد ساعدهما لاري إيغلبرغر في إنجاز المهمة (وهو الذي كان يحضر الجلسات بصفته نائباً لوزير الخارجية, الذي كان خارج البلاد), ولكن أعضاء المجلس الآخرين سهَّلوا عليهما ذلك باستعدادهم لتغيير مواقفهم دون نقاش, خاصة لأن الأمر كان فيه مصلحة لإسرائيل وللنخبة الأميركية الحاكمة المتحالفة معها. والحقيقة أن حرب الخليج قد أنعشت العسكرية الأميركية, التي توقع بعض الكتاب أن تتناقص أهميتها بعد انتهاء الحرب الباردة. لكنَّ الجنوح إلى الحرب قد عكس استمرار نفوذ كل من المؤسسة العسكرية والصناعات العسكرية على صناعة القرارات السياسية. فاستمرت الميزانية العسكرية في المحافظة على المبالغ الضخمة من الأموال المخصصة لها, حتى مع عدم وجود أعداء ظاهرين للولايات المتحدة. وأدى ذلك إلى استمرار التراكم الهائل للدين القومي واستمرار حرمان الفقراء من الخدمات والمساعدات التي يحتاجونها ويستحقونها.

        صحيح أن الإنفاق العسكري السنوي المباشر في الولايات المتحدة بدأ في التناقص بعد انتهاء الحرب الباردة وحرب الخليج, لكنه بقي أعلى إنفاق عسكري في العالم (كما يوضح الجدول رقم 1.5). فقد بلغ حوالي 276 بليون دولار في عام 1998, و 270.6 بليون دولار في عام 1999, و 280.8 بليون دولار في عام 2000, ومن المتوقع له أن يبلغ 305.4 بليون دولار في عام 2001. وقد بلغ مجموع الإنفاق على البرامج العسكرية والدفاعية التابعة لوزارة الطاقة حوالي 265.5 بليون دولار في عام 1999, و 274.1 بليون دولار في عام 2000, كما رُصد له 277.5 بليون دولار في عام 2001. أخيرا, فإن المبالغ المقررة للميزانية العسكرية خلال الفترة 2001-2005 يتوقع لها أن تزيد على 1.6 ترليون دولار.[6]

        والحقيقة أن الولايات المتحدة لا تزال تنفق على مؤسستها العسكرية من الأموال ما يزيد على إنفاق جميع الدول الصناعية السبعة الرئيسة الأخرى. ففي عام 1997, بلغ إجمالي الإنفاق العسكري في كندا, وفرنسا, وألمانيا, وإيطاليا, واليابان, وروسيا, وبريطانيا مجتمعة حوالي 223 بليون دولار (جدول رقم 1.11). وهكذا, زاد الإنفاق العسكري في الولايات المتحدة عن مثيله في الدول الصناعية السبعة الرئيسة بمقدار 1.2 مرة, مع أن هذه الدول تزيد في عدد سكانها على الولايات المتحدة بنسبة اثنين إلى واحد (1:2). فبينما كان هناك حوالي 560 مليون نسمة يعيشون في تلك الدول في عام 1997, كان عدد سكان الولايات المتحدة حوالي 268 مليون نسمة, في نفس العام.[7]

        ويصبح الإنفاق العسكري الضخم في الولايات المتحدة أكثر وضوحاً عند مقارنته بمثيله في الصين. ففي عام 1997, وصل تعداد سكان الصين إلى حوالي 1.23 بليون نسمة, بلغ حجم إنفاقهم العسكري حوالي 75 بليون دولار. وهذا يعني أن الإنفاق العسكري في ذلك العام قد كلف الشخص الصيني الواحد حوالي 61 دولاراً. وفي المقابل, وصل تعداد الولايات المتحدة إلى حوالي 268 مليون نسمة, قاموا بإنفاق حوالي 276 بليون دولار على مؤسستهم العسكرية. وعلى ذلك, فإن الإنفاق العسكري المباشر قد كلَّف كل مواطن أميركي حوالي 1,030 دولاراً في ذلك العام, أي حوالي سبعة عشر ضعفاً أكثر مما كلَّف المواطن الصيني, على الرغم من أن الصينيين يزيدون على الأميركيين عدداً بأربعة أضعاف.[8]

          وتبين هذه الحقائق بما لا يدع مجالاً للشك بأن هناك مغالاة في الإنفاق العسكري بالولايات المتحدة, حتى بعد انتهاء الحرب الباردة بأكثر من عشر سنوات. ومن المدهش أن ذلك لم يؤدِ إلى احتجاج أو انتقاد من قِبَل عامة الناس أو الكونغرس, على الرغم من تفاقم مشكلة الدين القومي الهائل, الذي تراكم أساساً بسبب الإفراط في الإنفاق العسكري. والحقيقة أن الحروب الخمسة الرئيسة التي خاضتها الولايات المتحدة في القرن العشرين, بالإضافة إلى تصعيد الحرب الباردة في عهد ريغَن, قد انعكست في الزيادة الكبيرة التي أُضيفت إلى الدين القومي. ففي عام 1900, كان الدين القومي الأميركي لا يزيد عن 2.13 بليون دولار. لكنه أخذ ينمو بعد ذلك ببطء حتى وصل إلى 5.71 بليون دولار في عام 1917. ثم قفز إلى 14.59 بليون دولار في العام التالي, أي في عام 1918, وذلك استجابة للإنفاق العسكري الذي تعلق بالحرب العالمية الأولى.

        وفي عام 1942, أي في العام الذي دخلت أميركا فيه الحرب العالمية الثانية, كان الدين القومي حوالي 72.42 بليون دولار. لكنه قفز إلى 136.69 بليون دولار في العام التالي, ثم استمر في الارتفاع حتى وصل إلى 269.42 بليون دولار بعد انتهاء الحرب, أي في عام 1946. ومع أن الحرب الثالثة التي خاضتها أميركا (في كوريا) لم تؤدِ إلى زيادة كبيرة في الدين القومي, إلا أنها قد حافظت عليه في مستوى أعلى مما كان عليه خلال الحرب العالمية الثانية. وفي عام 1954, أي بعد عام من انتهاء الحرب الكورية, ارتفع الدين القومي الأميركي من جديد ليصل إلى حوالي 278.74 بليون دولار, على الرغم من الرخاء الاقتصادي الأميركي الذي تلا الحرب العالمية الثانية (حيث كانت أميركا هي الدولة الصناعية الوحيدة التي لم يتحطم اقتصادها في الحرب). وقد أسهمت الحرب الرابعة التي خاضتها أميركا (في فيتنام) في مضاعفة الدين القومي, الذي وصل إلى 576.64 بليون دولار في عام 1975, أي في العام الذي انتهت فيه الحرب (كما يوضح الجدول رقم 2.11).

        وعلى الرغم من تلك الزيادات المطردة, إلا أن الدين القومي الأميركي كان صغيراً جداً بالمقارنة مع الزيادات الخرافية التي أضيفت عليه خلال فترات حكم ريغَن, وبوش, وكلنتُن. فمع نهاية فترة حكم كارتر, في عام 1980, وصل الدين القومي إلى 930.21 بليون دولار. ولكنه تزايد بنسبة غير مسبوقة مع نهاية فترة حكم ريغَن (أي في عام 1988), فوصل إلى 2.602 ترليون دولار. واستمر ذلك النهج خلال فترة حكم بوش, حتى وصل إلى 4.064 ترليون دولار في نهاية تلك الفترة, أي في عام 1992. ومن الواضح أن سباق التسلح الذي تصاعد بشكل لم يسبق له مثيل في نهاية الحرب الباردة في عهد ريغَن وكذلك حرب الخليج في عهد بوش (أي في الفترة الممتدة من 1980 إلى 1992) قد أديا إلى الزيادة الخيالية في الدين القومي الأميركي, من أقل من ترليون دولار في نهاية عهد كارتر إلى أكثر من 4 ترليون دولار في نهاية عهد بوش. وقد أدت الزيادة المستمرة في الإنفاق العسكري الكبير في عهد كلنتُن إلى أن يصل الدين القومي إلى 5.724 ترليون دولار في مارس/آذار من عام 2000 (كما يوضح الجدول رقم 2.11).

        والحقيقة أن إدارة كلنتُن (الديمقراطية) قد أوصلت الدين القومي إلى مستويات أعلى من تلك التي وصلها خلال الفترتين الرئاسيتين الجمهوريتين السابقتين, أي أن الديمقراطيين ليسوا بأفضل حالاً من الجمهوريين فيما يتعلق بالإنفاق العسكري. فبينما زاد الدين بنسبة 35.7 بالمائة خلال حكم ريغَن و 64 بالمائة خلال حكم بوش, فإنه زاد بنسبة 70.9 بالمائة خلال فترتي حكم كلنتُن.

وتفسير ذلك أن كلنتُن قد نافس الرئيسين الجمهوريين اللذين سبقاه في إحاطة نفسه بصقور الحرب الذين يفضلون زيادة الإنفاق العسكري, وبالتالي زيادة الدين القومي. فقد اختار أل غور ليكون نائباً له, وذلك لأنه أثبت أنه أحد صقور الحرب عندما ترك صفوف الحزب الديمقراطي وصوَّت لصالح الحرب في مجلس الشيوخ, في عام 1991. ولم يكتفِ بذلك, فعيَّن أحد الجمهوريين (وليام كوهين) وزيراً للدفاع لنفس السبب أيضاً (أي لكونه أحد الصقور الذين صوتوا للحرب في مجلس الشيوخ, بالإضافة لكونه من أشد أعوان إسرائيل في المجلس), وكأنه لا يوجد بين الديمقراطيين من هو أهل للمنصب. ونظراً لانشغاله بفضائحه النسائية والملاحقات القانونية المتعلقة بها طيلة فترتي رئاسته, فإنه قد ترك تخطيط وتنفيذ السياسة الخارجية "للخبراء" من أعوان إسرائيل في الإدارة. وكان على رأس هؤلاء دينيس روس (الذي منح نفسه لقب المبعوث الرئاسي), و ساندي بيرغر (مستشار الرئيس لشئون الأمن القومي), ووليام كوهين (وزير الدفاع), و مادلين أولبرايت (وزيرة الخارجية). وعندما حان الوقت لظهور أل غور على الساحة ليخلف كلنتُن, فإنه اختار نائباً له أحد صقور الحرب الآخرين من أعوان إسرائيل, وهو جوزف ليبرمان, الذي كان هو الآخر قد صوت لصالح الحرب في مجلس الشيوخ. وكان فوز غور~ليبرمان في حكم المؤكد, لولا المشاركة الكبيرة للعرب والمسلمين وأنصار البيئة واليساريين في الانتخابات. فهذه الفئات, كانت إما غائبة أو قليلة المشاركة في الانتخابات الماضية. ولكنها تحركت, وصوَّت معظمها لصالح رالف نادر أو بوش الأصغر للحيلولة دون نجاح غور~ليبرمان. ولو حدث ذلك, لكانت أكثر إدارة موالية لإسرائيل في تاريخ أميركا. وإنصافاً للرئيس كلنتُن, فإن الرؤساء الأميركيين, ديمقراطيين كانوا أم جمهوريين, ليسوا إلا واجهة للحكام الحقيقيين للولايات المتحدة, الذين يسيطرون على الاقتصاد الأميركي, خاصة الصناعات العسكرية والنفطية والمالية والإعلامية, وجلهم من أعوان إسرائيل.

وهكذا, وكما توقع الرئيس أيزنهاور (الفصل الخامس), فإن النفوذ المتعاظم للمؤسسة العسكرية قد سيطر على صنع القرارات السياسية, وبالتالي فإنه قد أضرَّ بالديمقراطية الأميركية إلى حد بعيد. وقد ساعد في ذلك وجود سلطات كبيرة ممنوحة للرئيس الأميركي. فخلال أزمة الخليج, أثبت الرئيس بأنه قادر على اتخاذ قرار الحرب دون استشارة الكونغرس أولاً. وكل ما فعله الكونغرس فيما بعد تمثل في منحه الدعم الذي يريد, لكنه كان باستطاعته شن الحرب دون موافقة الكونغرس على أية حال. وهذا يعني أنه لكي يتم منع الحروب غير الضرورية (مثل حرب الخليج) مستقبلاً, ينبغي على الكونغرس مراجعة قانون سلطات الحرب. والهدف من ذلك تقليل سلطات الرئيس بشكل يجعل موافقة الكونغرس ضرورية قبل أن يتمكن أي رئيس من إرسال القوات الأميركية إلى ساحات القتال. وفي غياب مثل تلك المراجعة, سيستمر الوضع القائم, وستتورط الولايات المتحدة في حروب كثيرة أخري. وقد أثبتت الأحداث السابقة أنه بمجرد إرسال القوات إلى أرض المعركة, فإنه لا يبقى أمام الكونغرس خيار آخر غير مساندتها. كذلك ينبغي أن يكون الكونغرس هو صاحب السلطة العليا في شن الحروب, إذا ما أُريد لنظام الحكم أن يكون ديمقراطياً.[9] فلا ينبغي لذلك الأمر الخطير أن يترك للرئيس وحده ليقرره, لأنه عادة يخضع لتأثير الخبراء والمساعدين (غير المنتخبين) في إدارته, الأمر الذي يخالف الديمقراطية (بمفهومها الغربي) التي تفترض اتخاذ القرار من قبل ممثلي الشعب بعد المداولة والنقاش. كما أن هؤلاء الخبراء والمساعدين هم عادة من صقور الحرب الذين يتحينون الفرص لإثبات الحاجة المستمرة إلى إبقاء الإنفاق العسكري على أضخم حالة ممكنة. لذلك, فإنهم ينصحون الرئيس باللجوء للحرب, بدلاً من الحلول السلمية للصراعات في العالم. وهذا بالضبط ما فعلوه في عام 1990, أي حتى بعد انتهاء الحرب الباردة. وقد كانوا يحاولون جاهدين إيجاد أعداء جدد لأميركا, ممثلين ببعض الدول والجماعات الإسلامية. وقد نجحوا في ذلك أخيراً بعد الهجمات الجوية على نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر/أيلول 2001, وأصبح لأميركا عدواً جديداً تقاتله لسنوات وربما لعقود قادمة.

وبالإضافة إلى ذلك, أصبحت الظاهرة العسكرية تتمتع بنفوذ مباشر على مسار العملية الديمقراطية في الولايات المتحدة, كما توقع الرئيس أيزنهاور. فالحزبان اللذان يتناوبان السلطة في أميركا يتبعان نفس السياسة الخارجية. وبشكل خاص, فإن الإدارات الأميركية (سواء كانت جمهورية أم ديمقراطية) ليس لديها سياسة خارجية مستقلة في الشرق الأوسط. وبدلاً من ذلك, فإنها تتبع السياسة العدوانية والتوسعية الإسرائيلية في المنطقة, وبشكل أعمى.

الحرب الباردة الثانية: الإسلاميون بدلاً عن الشيوعيين

 

        كان سقوط الاتحاد السوفيتي والحكومات الاشتراكية في أوروبا الشرقية, في أواخر الثمانينات من القرن العشرين, إيذاناً بانتهاء الحرب الباردة بين الشرق والغرب. وعلى الرغم من أن نهاية تلك الحرب غير المعلنة ربما ظهرت وكأنها أخباراً طيبةً لمعظم شعوب العالم, إلا أنها كانت تطوراً مروعاً بالنسبة للمستفيدين من تلك المرحلة. وكان بعض هؤلاء يمثلون الصناعات العسكرية, ونظم الحكم الاستبدادية, كما كان آخرون منهم من الذين جعلوا من الدفاع عن استمرار تلك الحرب مصدراً لرزقهم. وتتمثل هذه الفئة في الكثير من السياسيين, والصحفيين, والباحثين, وأساتذة الجامعات الذين يخصصون أبحاثهم لخدمة أهداف الحرب الباردة. ونتيجة لذلك, لم يكن مدهشاً أن يستميت هؤلاء المنتفعون من تلك الحرب في محاولاتهم لبدء حرب باردة ثانية. وفي هذه المرة, حاول هؤلاء المنتفعون تصوير بعض الدول والجماعات الإسلامية كأعداء جدد للغرب. وهكذا, أخذت الحكومات الغربية عموماً, والولايات المتحدة بشكل خاص (طيلة التسعينات), تركز على أن العراق, وإيران, وليبيا, والسودان, وسوريا, دول تساند "الإرهاب"[10] وبالتالي فإنها معادية للغرب. ويتمثل "الإرهاب" هنا في أعمال مقاومة الاحتلال الإسرائيلي التي قامت بها التنظيمات الفلسطينية واللبنانية, كما يشمل أعمال المقاومة التي يقوم بها المسلمون الذين يتعرضون للعدوان في أماكن مختلفة من العالم, مثل الشيشان وكشمير والفلبين. فلا زال المسلمون وديارهم وثرواتهم عرضة للعدوان الإسرائيلي والغربي السافر, طيلة النصف الثاني من القرن العشرين, ودونما احتمال لتوقفه في القرن الحادي والعشرين. وهكذا, فإن المنتفعين من الحرب الباردة وجدوا في تهمة "الإرهاب" وسيلة لتبرير العدوان الإسرائيلي~الغربي المستمر على الوطن العربي وأجزاء كثيرة من العالم الإسلامي.

          ولخيبة أمل الساعين لشن حرب باردة ثانية طيلة التسعينات من القرن العشرين, فإن معظم الأعداء الجدد لم يقبلوا القالب الذي أرادوه لهم. فقد سمح العراق لفرق التفتيش الدولية بأن تتأكد من عدم وجود أسلحة غير تقليدية على أراضيه. ونتيجة للحصار الجائر والعقوبات الاقتصادية المجحفة وغير المبرر استمرارها, فإن العراق لم يعد يشكل تهديداً للدول المجاورة. وبالنسبة لإيران, فقد اتبعت سياسة أكثر ودية تجاه أقطار الخليج العربي, التي نصَّب الغرب نفسه حامياً لها. وبالإضافة إلى ذلك, فإن المزيد من المشاركة الديمقراطية قد جعل إيران أكثر قبولاً من قِبل معظم الدول, بما في ذلك الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وحتى الولايات المتحدة, لم يكن بوسعها إلا أن تعترف بالتغيرات التي اعتبرتها إيجابية, مما جعلها ترفع كثيراً من القيود على التجارة مع إيران, في مارس/آذار 2000. كذلك, فإن ليبيا قد أدخلت تعديلات على سياستها الخارجية تجاه الغرب, الذي فرض عليها حظراً طيلة التسعينات. فتوصلت إلى اتفاق على إنهاء مشكلة لوكربي, وذلك بهدف إنهاء الحصار الجائر عليها. ونتج عن ذلك أن عادت علاقاتها الدبلوماسية مع معظم الدول الأوروبية. حتى الولايات المتحدة, نفسها, أخذت تسير في ذلك الاتجاه. فوصل وفد رسمي أميركي إلى طرابلس, في مارس/آذار 2000, لبحث سبل تحسين العلاقات مع ليبيا. وقد غيرت الحكومة السودانية من سياستها أيضاً, ودللت على تعاونها مع الغرب حتى بتسليم المناضل كارلوس إلى فرنسا لمحاكمته.[11] كذلك فإن الرئيس السوداني عمر البشير قد تخلص من نفوذ شركائه في الحكم من الإسلاميين من خلال تغيير مفاجئ في سياسته, في عام 1999. أخيراً, فإن سوريا قد بذلت أقصى ما في وسعها لتخيب أمل الساعين لاستعمالها في خلق حرب باردة ثانية. فاشتركت في حرب الخليج إلى جانب التحالف الذي قاده الغرب ضد قطر عربي شقيق لها. ثم وافقت على دخول مسار السلام, الذي سينتهي بالاعتراف بإسرائيل في مقابل استرداد مرتفعات الجولان المحتلة. ونتيجة لذلك كله, لم يعد هناك حكومات متمردة على نفوذ الغرب في الشرق الأوسط, باستثناء العراق المحاصر والخاضع للعقوبات الاقتصادية, والذي تعتدي عليه الطائرات الحربية الأميركية والبريطانية يومياً. وبكلمات أخرى, أصبحت السيطرة الغربية على الوطن العربي شبه كاملة. ومن السخف الإدعاء بأن الحكومات العربية بحالتها الراهنة يمكن أن ترتقي إلى صفة العدو للغرب في حرب باردة جديدة.

        وبالرغم من ذلك, استمرت محاولات تنصيب الدول والمنظمات الإسلامية كأعداء جدد للغرب. ويمكن إرجاع تلك المحاولات إلى الجهود الحثيثة التي يقوم بها المستفيدون من محاولة إحياء الحرب الباردة, وخاصة العاملون في بعض مراكز الأبحاث والمعاهد التي تسير في هذا الاتجاه, مثل معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (معهد واشنطن) ومجلس العلاقات الخارجية. فمنذ أن قام دينس روس ومارتن إندِك وريتشارد هاس بتأسيس معهد واشنطن في عام 1985, قاموا بنشر أحد عشر تقريراً رئيساً حذروا من خلالها جمهورهم الغربي المؤيد لإسرائيل من التهديد الذي تشكله المنظمات الإسلامية لأمن الكيان الصهيوني.

        استهدف أول تلك التقارير النشاط الإسلامي في الأردن الذي وصفه التقرير بأنه "أخطر قوة تزعزع الاستقرار هناك."[12] وحذَّر التقرير الثاني من الدور الذي يلعبه "النشاط الإسلامي" في الانتفاضة الفلسطينية. وأشار بصفة خاصة إلى التعاون بين كل من حماس والجهاد وباقي منظمات المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها فتح. وخلص إلى أن العقيدة السياسية للإسلاميين ترتكز على مقولة أنه لا يوجد مكان لدولة يهودية في أرض المسلمين.[13]

        واتهم التقرير الثالث حزب الله "بأنه من خلال مواجهاته مع الغرب, إنما يسعى لتحقيق وحدته وأهدافه الخاصة به." وأشار إلى أن حزب الله يهدف إلى تبديد النفوذ الغربي والقضاء على إسرائيل.[14] وركز التقرير الرابع على أن حماس ترى الصراع العربي~الإسرائيلي على أنه صراع ديني بين الإسلام واليهودية, وأنه لا يمكن حسمه إلا بتدمير إسرائيل, وليس بمباحثات السلام.[15] وادَّعى التقرير الخامس بأن إيران قد تحدت الغرب في أربعة مجالات. فهي ترغب في السيطرة على الخليج, وفي مواجه تركيا, والحصول على القنبلة الذرية الباكستانية, كما أنها تساند حماس وحزب الله. وأوصى التقرير "بأن أفضل رد أميركي على ذلك يمكن أن يكون سياسة الاحتواء, التي اتبعتها أميركا من قبل لاحتواء الاتحاد ا&