الفصل الرابع

القومية العربية: مفهومان متصارعان

 

        خلال نهاية الثمانينات وبداية التسعينات من القرن العشرين, حققت القومية انتصاراً في معركتها الطويلة الأمد ضد الدولة المتعددة القوميات, خاصة في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي. لكنها في نفس الوقت خسرت معركتها, ولو مؤقتاً, ضد الكيانات المستقلة "للدول" العربية.[1] فطيلة القرن العشرين, حاولت الدول المتعددة الأعراق والقوميات أن توحد مواطنيها على اختلافهم من خلال مظلة الحقوق التي تمنحها الجنسية والواجبات التي تفرضها على المواطنين الذين يحملونها. وقد نجحت التجربة وتم تهميش المشاعر القومية, واستمر ذلك طيلة الوقت الذي كانت فيه تلك الدول توفر لمواطنيها حاجاتهم الاقتصادية الأساسية. ولكن الصراعات العرقية والقومية بدأت تظهر على السطح عندما أخذت اقتصاديات تلك الدول تعاني من المشكلات الخطيرة التي أدت إلى تنافس المواطنين للحصول على السلع والخدمات الأساسية التي أصبحت نادرة في المجتمع. وهذه المقولة تجد سنداً بشكل خاص في سقوط الدول الاتحادية السوفيتية واليوغسلافية والتشيكوسلوفاكية.

        وعلى الرغم من بساطة ووضوح التفسير الاقتصادي لسقوط الدول المتعددة القوميات والأعراق في شرق أوروبا, إلاّ أن بعض الباحثين يميلون لتفسيرات أخرى تركز على الصفات الأساسية للقومية. ففي حالة يوغسلافيا, مثلا, يقول أولئك الباحثون بأن الدولة اليوغسلافية قد فشلت في توحيد مواطنيها بسبب قوة الروابط القومية. فحتى عام 1989, كان هناك عدد قليل من المواطنين الذين يعتزون بانتمائهم اليوغسلافي. أما الغالبية الساحقة من المواطنين, فكانوا يؤكدون على أصولهم القومية وروابطهم العرقية, وخاصة ما يجمع بينهم كصرب أو كروات أو مسلمين بوسنويين.[2] وقد فسر ذلك التباعد عن الدولة الاتحادية بتصور المواطنين من أفراد القوميات الصغرى بأنهم عرضة للاستغلال من أفراد القومية الكبرى المسيطرة. فكان الكروات, على سبيل المثال, يعتقدون بأن الأغلبية الصربية تستنزف المصادر المالية لكرواتيا. وكما ذكر توجمان, الذي أصبح رئيسا لكرواتيا فيما بعد, فإن ذلك قد حدث نتيجة للميل الطبيعي للقوميات لأن تسيطر إحداها على الأخرى.[3] وهكذا, فإنه على الرغم من أن اليوغسلاف قد توحدوا في دولتهم المتعددة القوميات من خلال تمتعهم بجنسية واحدة, إلاّ أن غالبيتهم لم يتخلوا عن أصولهم القومية, ولم يعتبروا أن الدولة اليوغسلافية قد أصبحت بديلة في تمثيلها لهم عن قومياتهم المختلفة.

        أما التجربة العربية مع القومية, فإنها قد أسفرت عن عكس ما حدث في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي. فالأمة العربية كانت ولا تزال مجزأة ومقسمة إلى "دول" قطرية ذات سيادة. كما أن المحاولة الرسمية التي أقامتها الحكومات العربية للتجمع على أساس قومي, أي جامعة الدول العربية, كرست تلك التجزئة عن طريق الاعتراف بأن الجامعة مكونة من "دول" مستقلة لا من أقطار تمثل وحدات إدارية وجغرافية وسكانية مختلفة من نفس الأمة. وطيلة القرن العشرين, نادى القوميون العرب, وما زالوا ينادون, بتوحيد هذه الأقطار في دولة واحدة. لكن ذلك يلقى مقاومة من النخب الحاكمة التي ربما ترى في الوحدة ضياعا لحكمها وسيطرتها. ومثال على ذلك النخب الحاكمة في بعض الأقطار المصدرة للنفط, التي تستفيد من استمرار الوضع الراهن. وفي حالة أقطار الخليج, فإنها نجحت في إقامة حواجز مادية ونفسية تفصل بين مواطنيها وأشقائهم في الأقطار العربية الأخرى, كما تم بيانه في الفصل الثالث.[4] كذلك فإن "الدولة" العربية القطرية, خاصة الغنية منها, قد تمكنت من إقناع مواطنيها بأن المزايا الممنوحة لهم من خلال الجنسية القُطرية هي خير لهم من الانتماء القومي للأمة العربية. ومثال على ملاحظتنا هذه ما جرى للعلاقات العراقية~الكويتية وكيف تطورت إلى أزمة عام 1990 والحرب التي تلتها في عام 1991.

          فقد مثلت مواقف كل من العراق والكويت مفهومين مختلفين للقومية العربية. فبينما كان العراق, ولا يزال, يعبر عن آمال وطموحات الوحدويين العرب, كانت الكويت ولا تزال تعبر عن آمال وطموحات القوى المستفيدة من بقاء الدولة القطرية ذات السيادة. وهكذا, فان أزمة العلاقات العراقية~الكويتية في جوهرها هي أزمة الخلاف على رؤية ماهية القومية العربية, وبالتالي فهي أزمة العلاقات بين الوحدويين العرب وخصومهم من المدافعين عن السيادة والاستقلال الوطني, والذين يكرسون تجزئة الأمة وشرذمتها إلى "دول" ضعيفة وصغيرة تسهل على القوى العالمية الطامعة في خيراتها السيطرة عليها واحتوائها.

        يبحث هذا الفصل في عدة موضوعات متعلقة بالصراع بين الوحدويين والسياديين,[5] وذلك من خلال محاولة الإجابة على عدد من الأسئلة ذات العلاقة. وعلى وجه الخصوص, ما هي العلاقة ما بين القومية والجنسية؟ وما هو دور المستعمرين الأوروبيين في خلق الصراع العربي~العربي والحفاظ على استمراريته؟ كيف أدت الثروة النفطية إلى زيادة الهوة ما بين أغنياء العرب وفقرائهم؟ وكيف عبَّر ظهور مجلسي التعاون الخليجي والعربي عن حقيقة الانقسام والاستقطاب العربي؟ وأخيرا, كيف أثر اختلاف المفاهيم حول القومية العربية على إذكاء حدة الصراع بين المعسكرين العربيين؟

        لقد تأرجح حكام العرب, طيلة القرن العشرين, جيئة وذهاباً ما بين الوحدة والصراع وما بين التضامن الأخوي والخيانة.[6] فخلال الثمانينات من القرن العشرين, ساند كثير منهم العراق أثناء الحرب العراقية~الإيرانية, وكان حكام الكويت من ضمنهم. ولكنهم سرعان ما بدأوا في مطالبة العراق بدفع ديونه لهم بمجرد أن وضعت الحرب أوزارها. ثم زادوا ضغوطهم على العراق عن طريق زيادة إنتاجهم للنفط بشكل أسهم في تدهور أسعاره, الأمر الذي أضر بخطط الأعمار العراقية لفترة ما بعد الحرب. على السطح, ربما يبدو عجيبا أن حكام الكويت قد انتقلوا من موقف التأييد إلى موقف اللامبالاة وحتى العداء للعراق. وعلى أية حال, فإن تصرفهم ذاك قد أدى بالقطع إلى مضايقة العراقيين لدرجة التحدي التي أدت إلى غزو العراق للكويت. مع ذلك, فلم يكن الأمر بتلك البساطة. لذلك, فإن فهم ما حدث يستلزم تحليلا تاريخيا أعمق لأزمة العلاقات العراقية~الكويتية وللحرب التي أعقبتها.

        إن الصراع العراقي~الكويتي, في جوهره وأصله, يمثل صراعاً ما بين حركات التحرر الوطني والقوى الاستعمارية الأوروبية التي فتتت العالم الثالث إلى كيانات تابعة لها تسيطر عليها وتستولي على خيراتها.[7] ومنذ الخمسينات من القرن العشرين, أخذ الصراع يتحول من صراع بين العرب والأوروبيين إلى صراع مباشر بين الوحدويين والسياديين في الوطن العربي. وكانت معظم النخب الحاكمة في الأقطار العربية, ولا تزال, هي التي تقود معسكر السياديين, ويتبعها فيه أقلية من المواطنين المنتفعين بالنظام السيادي. فالحفاظ على الوضع الراهن يمكنهم من الاستمرار في التمتع بالمزايا التي تمنحهم إياها الجنسية القُطرية.

        أما الوحدويون, فإنهم يقودون المعسكر الآخر الذي يتبعهم فيه أفراد الطبقة الوسطى المتطلعون لمزيد من الحريات والفرص داخل حدود أقطارهم وخارجها, وكذلك الفقراء في بقية الأقطار العربية. فهؤلاء يعلمون أن الوحدة ستزيد من فرصهم في تحسين أحوالهم المعيشية, كما أنهم لن يخسروا شيئاً على أية حال. ولو كانت الأقطار العربية متحدة في دولة ديمقراطية واحدة, لكان التعايش والتفاعل ممكناً بين هذين المعسكرين العربيين. ففي الدول الغربية مثلاً, يتناوب الأحرار والمحافظون السيطرة على الحكومة بناء على نتائج الانتخابات التشريعية. أما الصراع العربي~العربي, فلا زال يحل باستخدام القوة نظراً لغياب دولة عربية ديمقراطية موحدة. وفي حالة الكويت بالذات, فإن بريطانيا قد تدخلت للحفاظ على الوضع الراهن فيها, في كل مرة حاول العراق تغيير ذلك, كما مر في الفصل الأول. وقد برهن ذلك التدخل البريطاني طيلة القرن العشرين على أن الصراع في جوهره هو بين القوى الاستعمارية الأوروبية وحركة التحرر القومية العربية الوحدوية. كذلك, فإن النزاعات الحدودية في شبه الجزيرة العربية تقدم مثالاً آخر على دور المستعمرين الأوروبيين في إذكاء وتصعيد الصراع العربي~العربي.

 

المنازعات الحدودية العربية

 

يمكن إرجاع المنازعات الحدودية في شبه الجزيرة العربية بصفة عامة إلى التوسع السعودي الذي حدث في القرن التاسع عشر وإلى ردود الفعل العثمانية عليه. لكن تلك المنازعات قد تعمقت فيما بعد نتيجة للمصالح الغربية المتنافسة في الوطن العربي. وعلى الرغم من التحالف السعودي~البريطاني الذي حدث في أوائل القرن العشرين, إلاّ أن مواجهة سعودية~بريطانية قد اندلعت خلال الخمسينات من القرن العشرين. وحدث ذلك عندما حاول السعوديون مد حدودهم الجنوبية الشرقية لتصل إلى واحة البوريمي, التي كانت موضع نزاع آخر بين عمان وأبو ظبي (التي أصبحت ضمن الإمارات العربية المتحدة في عام 1971). وسبب تورط البريطانيين في ذلك النزاع أنهم كانوا يحتلون ويقومون بالإدارة الاستعمارية لمشيخات الخليج العربي. وتعود المطالب السعودية بواحة البوريمي إلى عام 1933 عندما حصلت إحدى شركات النفط الأميركية (وهي ستاندرد) على امتياز نفطي يغطي منطقة الحدود الجنوبية الشرقية للملكة العربية السعودية. وعلى الرغم من أن تلك المطالب قد تجددت في عام 1949, إلاّ أن القوات السعودية لم ترسل للواحة المتنازع عليها إلاّ في عام 1952. وقد رد البريطانيون على ذلك بمحاصرة تلك القوات لسبعة أشهر, حتى وافقت الحكومة السعودية على حل النزاع عن طريق التحكيم. وفي المقابل, وافقت الحكومة البريطانية على السماح لقوة شرطة سعودية مؤلفة من خمس عشرة رجلاً بالبقاء في الواحة إلى أن تتم تسوية النزاع. لكن التحكيم قد فشل, الأمر الذي أدى إلى صدامات بين الفريقين, في عام 1955, راح ضحيتها حوالي 82 من رجال القبائل الموالين للسعودية في المنطقة.

        وتصاعد التوتر بين السعودية وبريطانيا طيلة عامي 1955 و 1956. وحدث ذلك خاصة بعد العدوان الثلاثي على مصر الذي شاركت فيه بريطانيا وفرنسا وإسرائيل ابتداء من 31 أكتوبر/تشرين أول 1956, والذي نتج عنه الاحتلال البريطاني~الفرنسي لمنطقة قناة السويس والاحتلال الإسرائيلي لشبه جزيرة سيناء المصرية وقطاع غزة الفلسطيني. وكما فعلت بقية الأقطار العربية, أعلنت السعودية عن مساندتها لمصر, فقطعت علاقاتها الدبلوماسية مع بريطانيا, والتي بقيت مقطوعة حتى عام 1961. وخلال تلك الفترة, انضمت السعودية لمجموعة الحكومات القومية العربية التي كانت تعارض الوجود الاستعماري البريطاني في الوطن العربي. فقد انضمت للجهود المصرية واليمنية في مساندة الإمام غالب بن علي في تحديه لسلطان عمان, سعيد بن تيمور, الذي كان يحظى بالحماية البريطانية. كما قامت الحكومة السعودية بتمويل صفقات شراء السلاح اليمنية من الصين والاتحاد السوفيتي بهدف تحرير جنوب اليمن من الاحتلال البريطاني.       

        أما الاعتراض البريطاني على المطالب السعودية في الواحة, فكان مبنيا على الاتفاقية البريطانية~العثمانية التي وقعت في عام 1913. فقد أوضحت تلك الاتفاقية الحدود الجنوبية الشرقية لنجد على شكل خط مستقيم يبدأ في الزاخونية على الخليج العربي ويستمر رأسيا إلى داخل صحراء شبه الجزيرة العربية. وهكذا وطبقاً للحجة البريطانية, فإن الحدود السعودية تنتهي حتى قبل الوصول إلى شبه الجزيرة القطرية. أما الحكومة السعودية, فقد اعتمدت في مطالبتها بالواحة على حقيقة أنها كانت ضمن الأراضي التابعة للدولتين السعوديتين الأولى والثانية, طيلة القرن التاسع عشر. وقد دللت السعودية على ذلك بأن القبائل التي كانت تقطن المنطقة كانت تدفع الزكاة للحكام السعوديين.[8]

 

الصراع بين الوحدة والسيادة

 

        لقد كان بإمكان السعودية أن تدعم مطالبتها بواحة البوريمي باستخدام دليل أقوى من دليل جمع الزكاة من قبائل المنطقة, ألا وهو عدم شرعية الاتفاقية البريطانية~العثمانية المذكورة, والتي استخدمها البريطانيون كأساس لرسم الحدود بين مناطق نفوذهم وغيرها في شرقي شبه الجزيرة العربية. فتلك الاتفاقية لم تعد ملزمة للطرفين وأتباعهما نظراً لعدم التصديق عليها بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى. كذلك فإن هذه الحقيقة تمثل سنداً أساسياً للمطالب العراقية بالكويت, التي كانت من الناحية الإدارية جزءاً من ولاية البصرة حتى سقوط الدولة العثمانية في نهاية الحرب العالمية الأولى. وعلى نفس الأساس, فإنه بإمكان معظم الأقطار العربية المطالبة بالأقطار العربية الأخرى المجاورة لها أو بأجزاء منها. فمثلاً, انفصلت سوريا ولبنان عن بعضهما البعض عندما استقلتا عن فرنسا في نهاية الحرب العالمية الثانية, وأصبحت كل منهما "دولة" ذات سيادة. ومع ذلك, فبإمكان أي منهما المطالبة بأجزاء من الأخرى على أساس الأوضاع الإدارية التي كانت سائدة إبّان الحكم العثماني. ويمكن تطبيق نفس المبدأ على العلاقة ما بين فلسطين والأردن, وأيضاً ما بين السعودية وباقي جاراتها الخليجيات. والحقيقة أن احتمال استمرار المطالبات الحدودية العربية قائماً وليس ضرباً من الخيال. فأحياناً, تعبر تلك المطالبات عن نفسها على شكل منازعات حدودية كما هو الحال ما بين العراق والكويت, وما بين قطر والبحرين, وما بين عمان والإمارات, وما بين مصر والسودان, وما كان بين السعودية واليمن حتى توقيع اتفاقية ترسيم الحدود بينهما. وأحياناً أخرى, تعبر تلك المطالبات عن نفسها على شكل علاقات خاصة كما هو الحال ما بين سوريا ولبنان, وما بين الأردن وفلسطين.

        وعلى الرغم من أنه ليس من السهل الخروج من أزمة المنازعات الحدودية العربية, إلاّ أن خيار الوحدة لا يزال هو الحل الأفضل. فلو تمت معالجة الأزمة بالعودة للأصول المنطقية البسيطة, لتم الوصول إلى حلول عملية صحيحة لها. فالعرب أمة واحدة, كما تقول دساتيرهم وأعرافهم. وإذا كان الحال كذلك, فينبغي أن يكون للمواطنين العرب الحق في السفر إلى أي قطر عربي والإقامة والعمل فيه, دون قيود. وهذا يعني أن الأوضاع الحالية لتلك الأقطار (أي انفصالها عن بعضها البعض) غير منطقية وينبغي ألا تكون مقبولة, لأنها في المقام الأول من صنع القوى الاستعمارية الأوروبية التي فرضتها على العرب في بداية القرن العشرين. وبهذا المنظور, تصبح الثروة النفطية والمناطق المتنازع عليها ملكاً للأمة العربية ككل, وليست ملكاً لقطر ما أو لتجمع إقليمي بعينه. وبتحديد أكثر, فإن السيطرة البريطانية على الكويت في السابق, والسيطرة البريطانية~الأميركية على الكويت والخليج العربي منذ عام 1991, ما هي إلاّ حرمان للأمة العربية ككل من حقها في ثروتها النفطية.[9] ففي ظل التشرذم العربي الحالي واحتفاظ الأقطار العربية المصدرة للنفط بعائداتها لنفسها فقط, فإن الثروة النفطية يتم هدرها على التسليح والمنازعات الحدودية التي تضر بالأمة العربية ولا تنفعها. كما أن فائض العائدات النفطية يتم إيداعه في المصارف الغربية بدلاً من استثماره في مشاريع التنمية الإنتاجية في الوطن العربي, والتي يمكن أن تقرب الهوة بين أغنياء العرب وفقرائهم, وبالتالي تعجل بيوم وحدتهم.

        ومهما قيل عن الوحدة العربية, فستبقى أمل العرب جميعاً, فقرائهم وأغنيائهم, في حياة أفضل. فالعالم يتحرك نحو التجمعات والكتل السياسية والاقتصادية التي توفر حرية الحركة لرأس المال وللعمال على حد سواء, وبالتالي تخلق ظروفاً أفضل للإنتاج والاستهلاك والمنافسة العالمية. والحقيقة أن أغنياء العرب بحاجة للوحدة العربية قبل فقرائهم. ففي غياب الوحدة العربية, تعرضت الأقطار الخليجية للمنازعات والحروب وعدم الاستقرار وأخيراً الاحتلال الغربي للخليج العربي. أما الأقطار العربية الفقيرة, فقد أصبحت عرضة للابتزاز الغربي الذي جعلها تابعة للأسواق والسياسات الغربية نظير مبالغ زهيدة من المساعدات. وأهم من ذلك كله أن إسرائيل أصبحت هي المستفيد الأول من غياب الوحدة العربية, فأذلت الأقطار العربية المحيطة بها لأكثر من نصف قرن, واحتلت أراضيها, ولم تنسحب من بعضها إلاّ بعد أن كبلتها باتفاقيات أخرجتها من الصراع قبل إيجاد حل للمشكلة الفلسطينية وقبل الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة. لذلك كله, لن تتوقف المحاولات الوحدوية العربية على الرغم من الإخفاق الكبير الذي صاحب معظم المحاولات السابقة.

        وعلى الأرجح, فإن عرب القرن الحادي والعشرين سيكملون ما بدأه عرب النصف الثاني من القرن العشرين. صحيح أن محاولتين وحدويتين اثنتين فقط قد تحققتا, لكن كثرة المحاولات الوحدوية تدل على تأصل فكرة الوحدة والرغبة في تحقيقها عند العرب. وقد تحققت المحاولة الأولى بين مصر وسوريا, ودامت من عام 1958 إلى عام 1961. أما المحاولة الثانية, فكانت بين شطري اليمن, وقد تحققت في عام 1990 ولا تزال شامخة بعد أن اجتازت اختبار الحرب الأهلية في منتصف التسعينات.   

        وقد كان هناك عدد كبير من المحاولات الوحدوية التي لم تنجح. فقد سبقت الوحدة السورية~المصرية في عام 1958 محاولة لتوحيد مصر وسوريا والسعودية واليمن. وبعد الوحدة السورية~المصرية, كانت هناك محاولة لتوحيد الأردن والعراق. وبعد الانفصال السوري في عام 1961, دخلت مصر وسوريا والعراق في مباحثات طويلة لتوحيد الأقطار الثلاثة.[10] وفي عام 1971, أعلن قيام اتحاد الجمهوريات العربية الذي ضم مصر وسوريا والسودان وليبيا, كما جرت محاولات لتوحيد ليبيا وتونس في بداية السبعينات. وقد حقق المغرب وحدة مع الصحراء الغربية, على الرغم من بعض المعارضة المحلية. وأخيراً, وبعد انتهاء الحرب العراقية~الإيرانية, تأسس مجلس التعاون العربي الذي ضم كلاً من العراق والأردن ومصر واليمن. وإن دلت تلك المحاولات على شيء, على الرغم من فشلها, فإنما تدل على تعلق العرب بمبدأ الوحدة. لكنها تدل أيضا على أنهم لم يتوصلوا بعد للشكل المقبول والمضمون والقوي للوحدة التي ينشدون. وتكمن العقبة الكأداء على ما يبدو في رغبة النخب العربية الحاكمة في البقاء في الحكم, الأمر الذي يتعارض منطقياً مع مفهوم الوحدة. والحل لهذه المعضلة أن يتمتع كل قطر عربي بحكم ذاتي في إطار الاتحاد العربي (بشكل يشبه نظام الاتحاد الأميركي أو الاتحاد الأوروبي), مع بقاء الأسر الحاكمة كرمز للحكم المحلي. ولا يمكن أن يكتب النجاح لمثل هذه التجربة إلاّ إذا كانت مبنية على أساس ديمقراطي. فينبغي أن يتمتع المواطنون العرب بنفس الحريات الديمقراطية الموجودة في معظم أنحاء العالم, خاصة حريات التعبير والتجمع السياسي ومراقبة وتغيير الحكومة بالانتخابات المباشرة. وبالطبع لا ينبغي تأخير الديمقراطية حتى تحدث الوحدة ولا العكس أيضاً, ولكن الديمقراطية أكثر إلحاحاً وربما تقود للوحدة بشكل أسرع. وحتى يحدث ذلك, فإن الحال الآن في بداية القرن الحادي والعشرين يظهر أن السياديين في أوج قوتهم وسطوتهم في الوطن العربي, وأن الوحدويين في مرحلة انحسار وانكسار.    

        وعلى الرغم من أن المجموعتين موجودتان في كل قطر عربي, إلاّ أن غالبية الأقطار العربية قد وقعت تحت سيطرة مجموعة أو أخرى منهما لعقود طويلة. وقد مثلت الأقطار الستة الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي مركز السياديين في التسعينات من القرن العشرين. والعجيب أن حكومات تلك الأقطار تسعى لتحقيق مستوى معين من الوحدة فيما بينها, ولكنها كمجموعة تسير بسرعة نحو الابتعاد عن بقية الأقطار العربية. وقد تعلق حكام أقطار الخليج العربي بالسيادة والاستقلال إلى حد إضافة بعضهم كلمة "دولة" للاسم الرسمي للبلاد, كما هو الحال في الكويت والبحرين وقطر والإمارات.  

        ومن بين بقية الأقطار العربية, كانت مصر والعراق وسوريا وليبيا واليمن تمثل أنشطها وحدويا في معظم النصف الثاني من القرن العشرين. وقد غيرت بعض الحكومات من نشاطاتها الوحدوية من عقد إلى آخر. فمثلا, لعبت مصر دوراً وحدوياً ريادياً خلال الخمسينات والستينات, ولكنها أصبحت أقل نشاطاً بعد ذلك. وقد لعبت السعودية دوراً وحدوياً هاما خلال الخمسينات, ولكنها أصبحت تقود المعسكر السيادي منذ إنشاء مجلس التعاون الخليجي في عام 1981. ففي الخمسينات, دخل الملك سعود في اتفاقات ومحاولات وحدوية مع مصر وسوريا واليمن. وقبل ذلك, قام الملك عبد العزيز بتأسيس المملكة العربية السعودية عن طريق توحيد المناطق المختلفة في شبه الجزيرة العربية, فيما بين عامي 1901 و 1932.

        وقد أجريت بعض الدراسات التي تهدف إلى معرفة ما يشعر به العرب تجاه مفهومي "الدولة" القُطرية والأمة.[11] وكان المشتركون في هذه الدراسات طلاباً من مختلف الأقطار العربية, على اعتبار أن الطلاب يمثلون ضمير الأمة. ويوضح الجدول رقم 1.4 أن طلاب الجامعة الأميركية في بيروت وطلاب جامعة شمال شرق الولايات المتحدة قد عبروا عن ارتباطهم القوي بفكرة القومية العربية. أما طلاب جامعة الكويت, فقد عبروا عن ميلهم للدين أكثر من ميلهم للانتماء القومي. وبالنسبة للطلاب الخليجيين الدارسين في جامعة الكويت, فقد كانوا ضد فكرة توحيد الأقطار العربية. ولكن, نظراً لأن نسبة الخليجيين لا تتعدى 5 بالمائة من العرب,[12] فإن آراءهم لم تكن بتلك الأهمية الإحصائية في دراسات أخرى أكبر. فقد أجرى سعد الدين إبراهيم دراسة شاملة في الأعوام 1977 و 1978 و 1979 عن مواقف المواطنين العرب من قضية الوحدة العربية. وشملت الدراسة 5,557 مواطنا من عشرة أقطار عربية هي المغرب وتونس ومصر والسودان والأردن ولبنان والكويت وقطر واليمن وفلسطين. وقد طالبت أغلبية المشتركين في الدراسة بمستوى أعلى من التعاون بين الأقطار العربية يتجاوز الترتيبات التي توفرها الجامعة العربية. كما طالب المشتركون أيضاً بتوحيد الأقطار العربية إما اندماجياً أو اتحادياً. وكان الفلاحون والعمال والطلاب من بينهم أكثر تحمساً من المثقفين لإمكانية تحقيق الوحدة العربية.[13]

        وهكذا, يمكن لانقسام العرب إلى وحدويين وسياديين أن يساعد في إلقاء الضوء على إحدى جوانب الأزمة العراقية~الكويتية, والتي أدت إلى حرب الخليج في عام 1991. فبينما تنتمي الكويت لمعسكر السياديين, يقوم العراق بقيادة المعسكر الوحدوي. وعلى ذلك, وجدت القطران نفسيهما على طريق الصدام منذ أوائل القرن العشرين. فبينما وجد حكام الكويت أن خلاصهم يكمن في استقلالهم بدولة تحت الحماية البريطانية, لم يتوقف العراقيون طيلة ذلك القرن عن محاولاتهم لاستعادة الكويت.[14] لكن بريطانيا كانت هناك دائماً لمنع ذلك من الحدوث, وكانت في ذلك وحدها أولاً ثم ما لبثت أن جرَّت معها قوى أخرى إقليمية وعالمية.

 

الاستعمار البريطاني[15]

 

        لم تكتف بريطانيا بفصل الكويت عن العراق, ولكنها قامت أيضاً بغزو العراق واحتلاله لعدة عقود من الزمان. وقد بدأ الغزو البريطاني للعراق مع بداية الحرب العالمية الأولي, في عام 1914, واكتمل مع نهايتها في عام 1918. وقام شيخ الكويت, مبارك الصباح, بمساندة المجهود الحربي البريطاني أثناء الحرب. فهاجم المواقع العراقية في صفوان وأم قصر وجزيرة بوبيان والبصرة نفسها.[16] وبعد أن تمكن البريطانيون من السيطرة على العراق, أحضروا الملك فيصل بن الحسين الذي خلعه الفرنسيون عن عرش سوريا في عام 1920, ورتبوا له ليصبح أول ملك للعراق في عام 1921. وفي عام 1932, سمح البريطانيون للعراق بأن يصبح "دولة" ذات سيادة وينضم لعصبة الأمم. وعندما توفي الملك فيصل في عام 1932, خلفه ابنه غازي, الذي كان ملكاً شاباً وقومياً عربياً متحمسا. وكان غازي يدرك خطورة السيطرة الاستعمارية البريطانية على المنطقة العربية. لذلك, فإنه لم يتوان عن مهاجمة السياسات البريطانية. كذلك فإنه قد شن حملة إعلامية مستمرة ضد حاكم الكويت, الشيخ أحمد الجابر, الذي كان يتمتع بالحماية البريطانية. كما أن الملك غازي كان دائم الدعوة لتوحيد الكويت مع العراق. وهكذا, فإنه كان يشكل مشكلة للمستعمرين البريطانيين في المنطقة, وأدى ذلك لزيادة شعبيته لدرجة أنه عندما علم العراقيون بمقتله في حادث سيارة, في نفس العام, داخلهم الشك بأن البريطانيين قد تآمروا عليه وتسببوا في قتله. فاجتاحت البلاد مظاهرات غاضبة وقتل القنصل البريطاني في الموصل أثناء واحدة منها. وأصبح ابن غازي, فيصل الثاني, ملكاً على العراق. وقد وضع  تحت وصاية الأمير عبد الإله لأنه كان لا زال في الثالثة من عمره. واتبع عبد الإله سياسة موالية للبريطانيين. فقام بتعيين نوري السعيد, الذي كان مواليا لهم أيضا, رئيسا للوزراء. وأثار ذلك غضب القوميين العرب الذين استمروا في ضغطهم على نوري السعيد حتى استقال من منصبه. وفي عام 1940, قام زعيم القوميين, رشيد علي الكيلاني, بتشكيل الوزارة. وكانت باكورة أعمال الكيلاني رفضه مساندة البريطانيين في حربهم ضد المحور. ورد البريطانيون بإعادة غزو واحتلال العراق, وتم لهم السيطرة على مقاومة حركة الكيلاني في مايو/أيار من عام 1941. وغادر الكيلاني البلاد إلى ألمانيا, التي كانت ملجأ للمناضلين العرب المطاردين من قبل البريطانيين وعلى رأسهم الحاج أمين الحسيني. وعلى اثر ذلك, أعاد البريطانيون نوري السعيد إلى الحكم من جديد.[17] واستمر النفوذ البريطاني في العراق حتى ثورة 14 يوليو/تموز 1958 التي أنهت الحكم الملكي.

      وقد سعت حكومة الثورة إلى انتهاج سياسة مستقلة عن بريطانيا. فخلال عام  واحد, أي في عام 1959, انسحب العراق من كتلة الإسترليني ومن منظمة المعاهدة المركزية (السنتو), التي كانت حلفاً إقليمياً موالياً لبريطانيا يضم العراق وتركيا وإيران وباكستان. وفي عام 1961, قام الرئيس عبد الكريم قاسم بتحريك الجيش العراقي لاستعادة الكويت على أثر انسحاب القوات البريطانية منها. لكن محاولته لم تنجح بسبب التدخل البريطاني الذي تعزز بوقوف الجامعة العربية ضد المحاولة العراقية. وفي الثامن من فبراير/شباط 1963, تمت الإطاحة بعبد الكريم قاسم, وأصبح عبد السلام عارف رئيساً للجمهورية وأحمد حسن البكر رئيساً للوزراء. وعندما قتل عبد السلام عارف بحادثة طائرة مروحية, تولى رئاسة الجمهورية أخاه عبد الرحمن عارف الذي بقي في الحكم حتى 17 يوليو/تموز من عام 1968. ثم تولى البكر رئاسة الجمهورية وأصبح صدام حسين نائباً له حتى عام 1979, عندما استقال البكر وأصبح صدام حسين رئيساً للجمهورية.

        وقد أظهرت معظم الحكومات الجمهورية في العراق ثباتاً في انتهاج سياساتها القومية العربية. فخلال الستينات كان هناك نشاطٌ عراقيٌ في متابعة محاولة الوحدة مع مصر وسوريا. وفي الأول من يونيو/حزيران 1972, قامت الحكومة العراقية بتأميم شركة نفط العراق, وهي الخطوة التي حذت حذوها أقطار عربية أخرى مصدرة للنفط. وكانت تلك الشركة تعرف أولاً بشركة البترول التركية, التي منحت امتيازاً لمدة خمسة وعشرين عاماً ابتداء من عام 1925. وفي عام 1952, تم التوصل إلى اتفاقية تزيد من الإنتاج وتعطي للعراق نصف الأرباح. وقد حدث ذلك على إثر تأميم حكومة مصدق للصناعة النفطية في إيران, في عام 1951. وعندما قامت ثورة 1958, دخلت الحكومة العراقية في مفاوضات مع شركات النفط العاملة في العراق من أجل زيادة عائداتها النفطية. لكن شركات النفط لم تكن مستعدة لذلك, فراوحت المفاوضات في مكانها. عندها, أصدرت الحكومة العراقية مرسوماً استعادت بموجبه 99.5 بالمائة من مناطق الامتياز التي كانت ممنوحة لشركات النفط. وقد أدى ذلك إلى قيام جماعات الضغط التي تمثل شركات النفط بوصف العراق بأنه ينتهج سياسات معادية للغرب, خاصة بالمقارنة مع الأقطار العربية الأخرى المصدرة للنفط.

        واستمرت شركات النفط, في المنطقة العربية ككل, في جني مبالغ هائلة من الأرباح التي وصلت إلى حوالي 1115 بالمائة من تكاليف الإنتاج, حتى السبعينات من القرن العشرين. وقد ساهمت ثلاثة عوامل رئيسة في تمتع تلك الشركات بذلك الثراء الفاحش. فأولاً, كانت الامتيازات النفطية الغربية تشمل أضخم حقول للنفط في العالم, وهي برقان في الكويت, وغوار في السعودية, وكركوك في العراق. ثانياً, كانت تكاليف إنتاج النفط العربي (ولا تزال) هي الأقل بالمقارنة مع باقي أنحاء العالم. فأكثر من 90 بالمائة من النفط العربي يتدفق بالضغط الذاتي دون حاجة للضخ. ويتيح ذلك للبئر المتوسط من النفط العربي أن ينتج حوالي خمسة آلاف برميل يومياً, بالمقارنة مع 12 برميل ينتجها البئر في الولايات المتحدة, و80 برميل في روسيا, و 300 برميل في فنزويلا. ثالثاً, سمحت اتفاقات الامتيازات لشركات النفط الغربية أن تحصل على ثلاثة أمثال ما تحصل عليه الأقطار العربية المنتجة من الأرباح. وبينما وصلت الأرباح السنوية لتلك الشركات حوالي 91.8 بليون دولار, كانت العائدات النفطية العربية لا تتجاوز 35.8 بليون دولار, خلال السبعينات من القرن العشرين.[18]

 

الثروة النفطية تعمق الهوة

 

        شهد مطلع القرن العشرين قيام الزعماء العرب المتنافسين بالتحالف إما مع العثمانيين أو مع البريطانيين. وقد تصاعد ذلك التنافس والصراع العربي~العربي الذي تبعه نتيجة لتنافس القوى الاستعمارية الدولية على الامتيازات النفطية. وخلال الفترة الممتدة ما بين الحرب العالمية الثانية وعام 1973, تزايدت العائدات النفطية ببطء ولكن باضطراد مما جعل الأقطار العربية المصدرة للنفط أفضل حالاً من بقية شقيقاتها. وقد أدت حرب أكتوبر/تشرين أول 1973 والحظر النفطي العربي الذي تلاها إلى زيادة ضخمة في أسعار النفط. لكن ذلك قد ساهم في تعميق الهوة بين المجموعتين المختلفتين من الأقطار العربية, وبشكل كبير.

        وقد تأسست منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) في عام 1960 في بغداد, بعضوية كل من العراق وإيران والكويت والسعودية وفنزويلا. وعلى الرغم من ذلك, بقيت أسعار النفط لا تتعدى دولارين للبرميل الواحد حتى عام 1973. وقد نتج عن الحظر النفطي, الذي استمر حتى أوائل عام 1974, زيادة سريعة في أسعار النفط وصلت إلى 12.60 دولار للبرميل الواحد في عام 1974, و 29.63 دولار للبرميل في عام 1979, و 33.94 دولار للبرميل في عام 1980.[19] ونتج عن ذلك أن العائدات النفطية للأقطار العربية المصدرة للنفط قد زادت من حوالي 4.5 بليون دولار في عام 1970 إلى حوالي 12.5 بليون دولار في عام 1973. ثم قفزت تلك العائدات إلى حوالي 51.5 بليون دولار في عام 1974, واستمرت في الزيادة حتى وصلت إلى 205.4 بليون دولار في عام 1980. بعد ذلك, بدأت أسعار النفط في التناقص متسببة في تراجع العائدات أيضا حتى وصلت إلى 186.7 بليون دولار في عام 1981 و135 بليون دولار في عام 1982, واستمرت في تراجعها حتى وصلت إلى حوالي 60 بليون دولار فقط في عام 1988. ولكن ابتداء من عام 1989, عادت أسعار النفط للارتفاع, فارتفعت معها العائدات لتصل إلى حوالي 95 بليون دولار في عام 1996, كما يتضح من الجدول رقم 1.1. واستمر الارتفاع في أسعار النفط حتى تراوح ما بين 25 إلى 30 دولار للبرميل في عام 2000.

        وقد وصلت العائدات النفطية العربية إلى حوالي 1.956 ترليون دولار في الفترة الواقعة ما بين عامي 1974 و 1996.[20] وبالنظر إلى استئثار الأقطار المصدرة للنفط بالثروة النفطية, انقسمت الأقطار العربية عموماً إلى مجموعتين. أصبحت المجموعة الأولى أكثر غنى مع أنها أقل سكانا, وأصبحت المجموعة الثانية, الأكثر سكاناً, غارقة في الديون للدائنين العالميين. واستمرت الهوة بين المجموعتين في الاتساع منذ ذلك الحين, خاصة بسبب غياب التكامل بينهما. وبينما كانت الأقطار الغنية تحقق فائضاً مالياً طيلة السبعينات ومعظم الثمانينات, فإن بقية الأقطار العربية قد راكمت ديوناً خارجية وصلت إلى حوالي 61.6 بليون دولار في عام 1980, وحوالي 120 بليون دولار في عام 1995 (كما يوضح الجدول رقم 2.4).

        وبدلاً من تقديم المساعدات الحقيقية للأقطار الشقيقة, عن طريق استثمار فوائضها المالية في الوطن العربي, أخذت معظم الأقطار الغنية تستثمر أموالها في المجتمعات المتقدمة, خاصة في أوروبا الغربية وأميركا الشمالية واليابان. وعلى الأخص, حظيت الولايات المتحدة وبريطانيا بنصف الاستثمارات العربية في الخارج. وبحلول عام 1980, وصلت الاستثمارات العربية في الولايات المتحدة إلى حوالي مائة بليون دولار من السعودية, و55 بليون دولار من الكويت, و40 بليون دولار من الإمارات. واستمرت فوائض العائدات النفطية العربية بالتدفق على الغرب طيلة الثمانينات والتسعينات حتى وصلت إلى حوالي ثمانمائة بليون دولار في عام 1998.[21]

        وقد وصلت الفوائد التي حصلت عليها الأقطار العربية الغنية من استثماراتها بالخارج إلى حوالي 27.1 بليون دولار في عام 1980. ولو كانت لديها الإرادة لمساعدة شقيقاتها من الأقطار العربية الفقيرة, لكان بإمكانها سداد الديون العربية الخارجية من أرباح استثماراتها. لكن تلك الديون أخذت في التضخم لدرجة أن دفع فوائدها فقط قد أصبح حملاً ثقيلاً لا يحتمل. ففي عام 1979, استعملت الجزائر والمغرب ومصر حوالي 25.6 بالمائة و21 بالمائة و 15.8 بالمائة من صادراتها, على التوالي, لخدمة ديونها الخارجية, أي لدفع فوائد الديون فقط.

        وكانت معدلات الفائدة على تلك الديون عالية جداً لدرجة أن مصر قد استخدمت حوالي 36 بالمائة من القروض التي حصلت عليها لدفعها. وعلى سبيل المثال, فان البنك الدولي قد منح مصر قروضاً وصلت إلى حوالي 1.4 بليون دولار في مدة عشر سنوات. لكن مصر لم تتمكن من الاستفادة إلاّ من 400 مليون دولار فقط. أما الألف مليون الأخرى, فإنها قد دفعت كفوائد لتلك القروض. وبينما بلغ أحد تلك القروض حوالي 3.5 مليون دولار, بلغت الفوائد المدفوعة عليه حوالي 12 مليون دولار. وبلغ قرض آخر حوالي 4.5 مليون دولار, كما بلغت الفوائد المدفوعة عليه حوالي 12 مليون دولار أيضاً. وفي عام 1976, أتمت مصر سداد قرض للبنك الدولي كانت قيمته 4.5 مليون دولار, استعمل في بناء نظام للمجاري, وذلك بعد أن دفعت فوائد قدرها حوالي 11 مليون دولار على ذلك القرض.

        وفي عام 1970, أي قبل أن تنفتح مصر على الغرب, كان الدين المصري لا يزيد على 600 مليون دولار. لكن الديون المصرية الخارجية قد وصلت إلى حوالي 16 بليون دولار في عام 1980, أي خلال عشر سنوات فقط. وقد وصل إجمالي الفوائد المدفوعة على تلك الديون حوالي بليون دولار سنوياً. والحقيقية أن ثلثي ما كانت تدفعه مصر كان يذهب خدمة للديون, والثلث الأخير فقط كان يستعمل في سداد الدين الأصلي. وبعبارة أخرى, ذهبت جميع عائدات تصدير النفط المصري لتسديد الفوائد, كما ذهبت جميع عائدات تصدير القطن المصري لتسديد الديون الأصلية.[22] وبحلول عام 1995, وصلت الديون الخارجية إلى حوالي 34.6 بليون دولار على مصر, وإلى حوالي 22 بليون دولار على المغرب, وإلى حوالي 17 بليون دولار على السودان, وإلى حوالي 22.2 على سوريا, وإلى حوالي 8.9 بليون دولار على اليمن (كما هو موضح في الجدول رقم 2.4).[23]

        وقد قدمت الأقطار العربية المصدرة للنفط مساعدات تنموية لبلدان العالم الثالث, وصلت في مجموعها إلى حوالي 5.6 بليون دولار في عام 1975, و 5.1 بليون دولار في عام 1976, و5.9 بليون دولار في عام 1977, و 7.8 بليون دولار في عام 1978, و 7.6 بليون دولار في عام 1979, و 8.9 بليون دولار في عام 1980, و 8.4 بليون دولار في عام 1981, و 5.8 بليون دولار في عام 1982, و 5.1 بليون دولار في عام 1983.[24] لكن مساعداتها للأقطار العربية الفقيرة كانت بالكاد تصل للمواطن العربي العادي. ومجمل القول أن الثروة النفطية العربية الضخمة التي أصبحت ممكنة نتيجة لحرب أكتوبر/تشرين أول 1973 لم تستخدم لمنفعة الأمة العربية ككل. والحقيقة أنها قد أسهمت في تغريب معظم العرب وإبعادهم عن أشقائهم الأغنياء الذين استأثروا بها.

        وبالإضافة إلى المساعدات القليلة التي قدمتها الأقطار العربية الغنية لشقيقاتها الفقيرة, فإنها مارست أشكالاً متنوعة من التمييز ضد المواطنين العرب الذين هاجروا إليها. والحقيقة أن المهاجرين العرب وغيرهم قد شكلوا نسباً عالية من العاملين في تلك الأقطار. ففي عام 1975, كانت نسبة المهاجرين إلى إجمالي العاملين حوالي 86 بالمائة في الإمارات, و 74 بالمائة في قطر, و 70 بالمائة في الكويت, و 42 بالمائة في ليبيا,  و 35 بالمائة في السعودية, و 23 بالمائة في البحرين.[25] وقد تناقصت نسبة المهاجرين في بعض الأقطار الخليجية, في الثمانينات. ومع ذلك, استمروا يشكلون غالبية العاملين في الإمارات (75.4 بالمائة) في عام 1984, وفي الكويت (59.8 بالمائة) في عام 1985. كما شكلوا 34.8 بالمائة من العاملين في البحرين, في عام 1984.[26]

        وعلى الرغم من أن الغالبية الساحقة من المهاجرين جاءوا للاستقرار في تلك الأقطار, إلاّ الحكومات المعنية لم تتعامل بجدية مع قضية تجنيسهم. والعجيب أن معظم الأقطار العربية, بما في ذلك الخليجية منها, لديها من قوانين الهجرة ما يمكن المهاجرين, من الناحية الرسمية, الحصول على جنسياتها بعد مكوثهم بها لزمن معين. أما من حيث التطبيق, فان معظم الحكومات العربية تتجاهل تلك القوانين, كإثبات على تكريسها للتجزئة وإمعاناً في تمزيق الأمة. فمثلاً, من الناحية القانونية, يصبح المهاجرون العرب مؤهلين للحصول على الجنسية إذا مكثوا أربع سنوات في الأردن, وخمس سنوات في سوريا ولبنان, وعشر سنوات في مصر والعراق والإمارات, وخمس عشرة سنة في البحرين والكويت. وتمثل اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية مثالاً آخر على عدم تطبيق الحكومات العربية للقوانين التي تصدرها والاتفاقيات التي توقعها, خاصة فيما بينها. فقد صدرت تلك الاتفاقية عن المجلس الاقتصادي التابع للجامعة العربية, في عام 1957. وأقرت الاتفاقية مبدأ حرية الحركة والتنقل بين الأقطار الموقعة عليها. ومع ذلك, لم يصادق على الاتفاقية سوى عدد قليل من الأقطار التي وقعت عليها.[27]

        ولو أصبح متاحاً للمواطن العربي أن يتنقل ويقيم ويعمل بحرية وبدون تمييز في أي جزء من الوطن العربي, لقلت أهمية الحصول على الجنسية أو الإقامة الدائمة, وبالتالي لزال عائق هام من طريق الوحدة العربية. فقد أدت القيود الكثيرة المفروضة على سفر وتنقل وعمل المواطنين العرب في أجزاء وطنهم المختلفة إلى قيام الكثيرين منهم, خاصة المتعلمين والحرفيين المهرة, بالهجرة إلى أوروبا وأميركا وأستراليا حيث تمنح لهم الجنسية وتتم مساواتهم مع المواطنين. وهكذا تخسر الأمة العربية خيرة شبابها لأمم أخرى مع أنها في أمس الحاجة لهم ولمهاراتهم. ففي عام 1975, وصل عدد المهاجرين العرب من ذوي الكفاءات العالية في المجتمعات الغربية إلى حوالي 24,000 طبيب, و 17,000 مهندس, و 7,000 من علماء الطبيعيات, وحتى حوالي 200 من المتخصصين في الطبيعة الذرية.[28] واستمرت هجرة الشباب العربي طيلة الثمانينات بل وزادت في التسعينات, خاصة بعد الحرب. وانه لأمر محزن ومؤسف أن الأقطار العربية الغنية لا تقوم بتشجيع هجرة الشباب العربي إليها بينما تقوم بذلك المجتمعات الأخرى. ويمكن أن نخلص إلى القول بأن التمييز والقيود المفروضة على المهاجرين العرب وحرمانهم من حقوق الجنسية والإقامة الدائمة في الأقطار العربية التي هاجروا إليها قد أسهم في توسيع الهوة بين الأقطار الغنية والأقطار الفقيرة في الوطن العربي.

مجلس التعاون الخليجي

   

        وإدراكا منها لوجود هذه الهوة, شعرت الأقطار الخليجية الست (الكويت والبحرين وقطر والإمارات وعمان والسعودية) بحاجتها للتجمع معاً بهدف إنشاء كيان يميزها عن بقية الأقطار العربية. وكانت المحاولة الأولى لذلك التجمع على شكل مبادرة كويتية في عام 1976. لكن أول مؤتمر قمة خليجي قد انعقد في مايو/أيار من عام 1981, معلناً تأسيس "مجلس التعاون لدول الخليج العربية," والذي أصبح معروفا أكثر فيما بعد "بمجلس التعاون الخليجي." واختيرت الرياض مقراً للمجلس, في إشارة إلى مكان الصدارة الذي تحتله السعودية داخل المجموعة. كما وقع الاختيار على سفير الكويت السابق في الأمم المتحدة, عبد الله يعقوب بشاره, ليكون أول أمين عام للمجلس. وكان تعيينه يدل على مكانة الكويت الثانية في المجلس, بعد السعودية, كما كان اعترافاً بالجهود الكويتية في تأسيسه.[29]

          وقد ناقش المؤتمر مبادرتين تتعلقان بهويته. كانت المبادرة الأولى التي قدمتها عُمان تؤكد على تميز واختلاف "دول" المجلس عن باقي الأقطار العربية. لذلك, فإنها دعت المجلس للتوجه للغرب من أجل الحصول على الأمن والحماية من الأخطار الإقليمية (إيران) والدولية (الاتحاد السوفيتي). وأشارت إلى الثورة الإيرانية والتدخل السوفيتي في أفغانستان على أنهما سببان يدعوان لتبني وجهة النظر العُمانية.

        أما المبادرة الكويتية, فقد أكدت على أن أمن الخليج ينبغي ألا يكون منفصلا عن الأمن القومي العربي. ولذلك, اقترحت الكويت بأن تستمر "دول" المجلس في انتهاج سياسة عدم الانحياز إزاء القوتين العظميين في العالم آنذاك, الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. وهكذا, فإن المبادرة الكويتية قد رفضت الإطار السياسي الذي طرحته المبادرة العُمانية للمجلس. وبدلاً من ذلك, دعت الكويت إلى تعاون "دول" المجلس في الميادين الاقتصادية والمالية والتجارية والاجتماعية. وكانت النتيجة أن تبنى المجلس المبادرة الكويتية, ودعا إلى إبقاء منطقة الخليج العربي بعيدة عن الصراعات الدولية. كما طالب المجلس القوى الدولية أن تبقي أساطيلها بعيدة عن الخليج. كذلك, فإن المجلس قد أكد على هويته العربية بالتعبير عن مساندته للبنانيين والسوريين والفلسطينيين في كفاحهم لتحرير المناطق العربية المحتلة من الاحتلال العسكري الإسرائيلي.[30]

        على الرغم من الحماس الكويتي لإنشاء الكيان الخليجي, إلاّ أن الكويتيين ربما أرادوا بموقفهم المختلف عن الموقف العُماني أن يوصلوا رسالة للعرب عامة, وللمصريين والفلسطينيين بشكل خاص. فلم يكن بمقدورهم تجاهل قدرة مصر على التدخل في شبه الجزيرة العربية, بشكل أفادت منه الكويت. ففي النصف الأول من القرن التاسع عشر, أدت حملات محمد علي إلى وقف الهجمات السعودية على الكويت. وفي عام 1961, شاركت مصر في قوات الجامعة العربية التي حلت محل القوات البريطانية لمنع العراق من استعادة الكويت. وبالنسبة للفلسطينيين الذين كانوا يشكلون أكبر جالية للمهاجرين في الكويت, ربما أراد الكويتيون طمأنتهم إلى أن الكويت ستستمر في مساندتها للقضية الفلسطينية. وبالرغم من ذلك, فإن تلك المحاولة الكويتية لم تكن كافية للتقليل من خيبة أمل الأقطار العربية الأخرى, التي كان العديد منها يأمل في تطوير الجامعة العربية لتصل إلى مستوى أعلى من الوحدة العربية. لذلك, نظرت تلك المجموعة من الأقطار العربية إلى مجلس التعاون الخليجي على أنه خطوة إلى الوراء, وأنه يكرس التجزئة ويزيد في تقطيع أوصال الأمة العربية. لذلك, ارتأت حكومات بعض تلك الأقطار أن تتجمع هي الأخرى معاً فيما عرف بعد ذلك بمجلس التعاون العربي.      

مجلس التعاون العربي

       عندما تأسس مجلس التعاون الخليجي مقتصراً على عرب الخليج الأغنياء, كان العراق واليمن أكثر الأقطار العربية تأثراً وشعورا بخيبة الأمل. فالعراق يطل على الخليج العربي ويصدر النفط أيضا, وبذلك فهو مؤهل لعضوية المجلس لو كان التجمع قائماً على أسس منطقية. أما اليمن, فيؤهله موقعه الجغرافي كجار لعمان والسعودية للتكامل معهما ومع باقي أقطار شبه الجزيرة العربية. ولو كان المجلس يهدف للتكامل العربي, لكان من المنطقي أن يضم إليه كل من العراق واليمن.[31] لكن يبدو أنهما قد استبعدا لحجمهما السكاني الكبير ولاختلاف النظم السياسية. لذلك, كان من الطبيعي أن يلتقي العراق واليمن معاً بالإضافة إلى أي قطر آخر شعر بأنه استبعد من ذلك التجمع. وكان الأردن ومصر قطران مثاليان للانضمام إلى العراق واليمن في ذلك المسعى, وذلك لمساندتهما للعراق أثناء الحرب العراقية~الإيرانية. كذلك كانت خطط إعادة البناء والإعمار المتوقعة في العراق, بعد الحرب, تمثل فرصاً جيدة للعمل أمام الأردنيين والمصريين واليمنيين. وأهم من ذلك بالنسبة للعمال العرب, أن القوانين والممارسات العراقية المتعلقة بالهجرة كانت تسمح لهم بالإقامة الدائمة وحتى بالجنسية, الأمر الذي كان (ولا يزال) غير معمول به في أقطار الخليج العربي. وهكذا, تأسس مجلس التعاون العربي في 23 فبراير/شباط 1989, بعضوية كل من مصر والعراق والأردن واليمن.

        وخلال السنة والنصف التالية, شعر العراق بمزيد من خيبة الأمل من جراء تصرفات بعض الخليجيين. فقد بلغ تعداد العراقيين حوالي سبعة عشر مليون نسمه, خرجوا من الحرب العراقية~الإيرانية بديون وصلت إلى حوالي 75 بليون دولار. وحوالي نصف تلك الديون, أي 35 بليون دولار, كانت للكويت والسعودية. وكان العراقيون (ولا زالوا) يعتقدون أنهم كانوا يدافعون عن أقطار الخليج العربي, وليس فقط عن العراق, في تلك الحرب. لذلك, فان مسامحتهم بتلك الديون كانت أقل ما يمكن أن يقدمه "الأشقاء" الخليجيون في المقابل. وبدلاً من ذلك, بدأ الكويتيون يطالبون بسداد الديون. والأدهى من ذلك أن الكويت والإمارات أخذتا في ضخ كميات كبيرة من النفط إلى السوق الدولية تفوق الحصص المخصصة لهما من قبل أوبك, الأمر الذي أدى إلى هبوط حاد في أسعار النفط, مما أضر بالعراق وخططه في إعادة البناء بعد الحرب. ومنذ عام 1986, كانت الكويت تتذمر من الحصة المخصصة لها من قبل أوبك, وهي 1.25 مليون برميل يومياً. وعندما قررت المنظمة تخفيض تلك الحصة إلى 1.1 مليون برميل في عام 1989, أعلنت الكويت رفضها لذلك. وفي أوائل عام 1990, أخذت تنتج مليوني برميل يومياً, خارقة بذلك حتى حصتها السابقة قبل التخفيض.

        وهكذا, ومنذ بداية عام 1990, بدأ العراق يشعر بأنه هدف للتآمر من قبل الغرب وبعض أقطار الخليج العربي, خاصة الكويت. وزادت مخاوف العراقيين عندما بدأت الولايات المتحدة بممارسة الضغوط على العراق. فقد اتخذت إدارة بوش إجراءات صارمة ضد مصرف ب ن ل, الذي كان حلقة اتصال بين العراق والمؤسسات المالية الأميركية. كذلك فإن المصارف الأميركية المعنية قد اقترحت تشكيل مجموعة دولية لإدارة الشئون المالية للعراق لمصلحة الدائنين.[32] والجدير بالذكر أن ذلك الاقتراح كان يشبه إلى حد بعيد ما آلت إليه الأمور في نهاية القرن التاسع عشر من إدارة بريطانية~فرنسية مشتركة للخزينة المصرية, والذي أدى في النهاية إلى الاحتلال البريطاني لمصر في عام 1982. وربما يكشف التاريخ لاحقاً عن خطة للدائنين الأميركيين للوصول إلى ذلك الهدف, أي إلى التحكم في الخزينة العراقية. وتحقق لهم ذلك فعلياً نتيجة للتحكم في المبيعات النفطية والواردات العراقية, فيما أصبح معروفا ببرنامج "النفط مقابل الغذاء," كنتيجة لتحكم الولايات المتحدة في قرارات مجلس الأمن الدولي التي صدرت ضد العراق. وربما أسهمت تلك التطورات في زيادة مخاوف العراق من أن الولايات المتحدة كانت تعد لإضعاف العراق, بالتعاون مع الكويت. وتسارعت الأحداث بعد ذلك لدرجة أن مجلس التعاون العربي لم يدم لأكثر من عام ونصف تقريبا. فلم يكن بإمكانه تجاوز أزمة عام 1990, وذلك لأن مصر وقفت إلى جانب الكويت ضد العراق. أما مجلس التعاون الخليجي, فإنه قد استمر كمنتدى خاص يقتصر على الأقطار الخليجية الغنية. وعلى الرغم من ذلك, فإن القومية العربية لم ولن تختفي كقوة توحيد للعرب. لكن قدرتها على البقاء كقوة موحِّدة للعرب في المستقبل تعتمد على انتهاج وسائل جديدة للنضال تتكيف مع الجرح العميق الذي حدث نتيجة لزلزال حرب الخليج.

 

مستقبل القومية

 

لقد كانت القومية العربية عاملا توحيديا في الوطن العربي طيلة القرن العشرين. فاللغة الواحدة والتاريخ المشترك كانا دائماً ركنين قويين يسندان الدعوة القومية العربية, كما كانا أيضاً بالنسبة للتجارب القومية في أوروبا, خاصة بالنسبة للتجربتين الألمانية والإيطالية. فقد تأسست الدول القومية الأوروبية على أسس الاشتراك في اللغة والتاريخ والعادات والتقاليد. وكان الهدف أن تقوم تلك الدول بتمثيل وحماية مصالح الجماعات العرقية[33] المتجانسة فيها. ومع بداية القرن العشرين, أخذت الدول القومية تتسع لتشمل العديد من الجماعات المختلفة عرقيا وعنصريا وإقليميا ودينيا, أي أنها أصبحت دولا متعددة القوميات. ومثال على ذلك, الاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا والهند والصين, حيث أن الدولة في هذه الحالات من المفترض أن تمثل مصالح القوميات التي تؤلفها. أما في العالم الجديد (الأميركيتين وأستراليا), فقد تأسست الدول القومية على فكرة استيعاب المهاجرين في الوطن الجديد على الرغم من انتمائهم السابق لقوميات مختلفة, وذلك بالتركيز على تعليم أبنائهم في المدارس الحكومية المجانية باللغات الرسمية لتلك الدول.

        وقد حاولت الدول المتعددة القوميات جاهدة استيعاب وتكامل قومياتها وجماعاتها السكانية المختلفة. وساعدها على ذلك دخولها مرحلة التصنيع وما تبعها من ظهور المؤسسات العامة في المجتمع, مثل التعليم العام ووسائل الإعلام والمواصلات والاتصالات الجماهيرية ونظم الخدمات والتقاعد والرفاه الاجتماعي. كذلك عملت مختلف الدول القومية على السماح للأقليات والجماعات المحرومة بمزيد من المشاركة السياسية ومزيد من الاستفادة من خيرات البلاد.[34] وقد أسفرت جهود الاستيعاب والدمج تلك عن نجاحات في جميع القارات. ومع ذلك, فإن سقوط الاتحادات السوفيتية واليوغسلافية والتشيكوسلوفاكية في أواخر الثمانينات وبداية التسعينات من القرن العشرين قد قدم دليلاً ضد فرضية إمكانية دمج القوميات في مجتمع واحد معاً. وحتى عام 1999, كانت بعض الجمهوريات لا تزال تحاول الانفصال عن الاتحاد الروسي, كما حدث في الشيشان. والحقيقة أن سقوط تلك الاتحادات الأوروبية الشرقية مرده في الأساس إلى العوامل الاقتصادية, بدليل استمرار الهند والصين كدولتين متعددتي القوميات. وبالرغم من ذلك, فإن تفكك تلك الاتحادات الى وحدات سياسية أصغر على أساس قومي محض يمكن اعتباره مؤشراً على قوة وعنفوان الشعور القومي لعقود وربما لقرون عديدة قادمة.

        والمدهش أن الروابط القومية قد أظهرت أنها قوية بدرجة كافية مكنت الدول القومية الجديدة من أن تحل محل الاتحادات الأوروبية الشرقية المتعددة القوميات, في مدة وجيزة. ولكن كيف حدث ذلك, وبتلك السرعة؟ الجواب يمكن في تحليل كيفية ظهور القومية وتطورها في بلد من البلدان. فالقومية تظهر عندما يزداد الوعي الثقافي العرقي ليصل إلى مستوى الهوية السياسية الفعالة. وتصبح الروابط القومية أقوى عندما يدرك أفراد الشعب المعنيين أن مصالحهم المشتركة ووحدتهم الجماعية معرضان للخطر.[35] كذلك فإن القومية يمكن أن تفهم على أنها خيار فردي أيضاً فعندما يسعى الأفراد للتماثل مع جماعاتهم العرقية والانتماء لها, فإنهم يفعلون ذلك لتحقيق أفضل ما يصبون إليه من مصالح. فالجماعة تزود أفرادها بالأمن والبيئة الأكثر راحة والوصول إلى المناصب التي تقع تحت سيطرتها في المجتمع.[36] ولكن الروابط اللغوية والدينية والمكانية, بالإضافة لروابط القرابة, تبقى هي الأقوى في خلق انتماء الأفراد لأوطانهم. وليس من الضروري لحدوث ذلك الانتماء أن يعيش الأفراد في نفس الدولة, ذلك لأن الانتماء القومي يسبق قيام الدولة القومية, كما حدث في التجربتين الألمانية والإيطالية وكما هو الحال بين العرب الذين يعيشون في ظروف التجزئة حتى الآن. لذلك, فإنه لم يكن غريبا أن تقبل الأعراف الدولية حق الشعوب في تقرير مصيرها الوطني, أي حق الأفراد في أن ينتموا للأمة التي تتكون منهم.[37]    

        ولا تزال القومية تقدم خدمات عديدة للطموحين من الزعماء والجماعات النخبوية على حد سواء. وقد استخدمت في الماضي لتعبئة وتحريك الشعوب للحرب, في مختلف أنواع الأنظمة السياسية, ومثال على ذلك ألمانيا النازية أثناء التحضير للحرب العالمية الثانية وكذلك روسيا السوفيتية أثناء تلك الحرب.[38] وحتى في الولايات المتحدة, حيث الروابط القومية أقل عمقاً وأحدث زماناً, فإن الحكومة قد لجأت إلى تأجيج المشاعر القومية للحصول على مساندة الشعب لمشروعاتها التي لا تتمتع بجاذبية شعبية طبيعية. ومن أمثلة ذلك ما فعلته الحكومة الأميركية لكسب التأييد الشعبي للألعاب الأوليمبية لعام 1984, وللتحضير لشن حرب الخليج في عامي 1990 و 1991, وحتى في لوم اليابان على الركود الاقتصادي الأميركي في عام 1992.[39] أما في القرن التاسع عشر, فقد أظهرت التجربة القومية الألمانية أن اللغة الواحدة والتاريخ المشترك قد لعبا دوراً أساسياً في تكوين الأمة الألمانية. وتعود بدايات المشروع القومي الألماني إلى نهاية الحروب النابليونية, في النصف الأول من القرن التاسع عشر. عندها قامت بروسيا بالتوسع في تخريج المعلمين, كما قامت بتطوير مناهج تعليمية على مستوى قومي ألماني وليس على مستوى بروسي فقط. ونتج عن ذلك زيادة الشعور بالوعي القومي في جميع الدويلات الألمانية, الأمر الذي سهل على بروسيا إمكانية تعبئة وتحريك الشعب الألماني كل