الفصل الخامس

المصالح الغربية

 

        لم تكن الأزمة العراقية~الكويتية التي أدت للغزو العراقي للكويت في عام 1990, وحرب الخليج التي تلتها في عام 1991, نتيجة لتطورات محلية أو إقليمية فقط. فقد أسهمت المصالح الغربية في تطور تلك الأزمة من خلال التنافس على الثروات العربية, خاصة النفط وعائداته المالية. كذلك فإن الغرب قد ساند حركة التمرد الكردية, التي أسهمت بالتالي في حدوث الحرب العراقية~الإيرانية. أخيراً, وبعد انتهاء  تلك الحرب, أصبح الغرب ينظر للعراق على أنه مصدر خطر إقليمي لا بد من إزالته.

يبدأ هذا الفصل بتبيان كيفية حدوث وتطور السيطرة الغربية الغاشمة على المنطقة العربية, خاصة المصالح النفطية البريطانية والأميركية. يلي ذلك بحث في كيفية إسهام التمرد الكردي في التسبب بالحرب العراقية~الإيرانية. كما أن هذا الفصل يتضمن قسماً هاماً عن العلاقة ما بين نفوذ العسكريين في المجتمعات الصناعية ونشوب الحروب في العالم. وعلى الأخص, هناك بحث عن تأثير ومصلحة الصناعات العسكرية في العالم في اندلاع الحروب في الشرق الأوسط.

 

 

 

السيطرة الغربية الغاشمة

 

                لعبت بريطانيا دوراً رئيساً في تشكيل العلاقات العربية~العربية والعالمية في الشرق الأوسط, في نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين, كما مرَّ في الفصل الأول. وفي تنفيذهم لسياساتهم في المنطقة العربية, كان البريطانيون يجسدون كيفية التعامل ما بين الدول الصناعية الكبرى والكيانات الهامشية التابعة لها في العالم الثالث. وقد أوجد البريطانيون تلك الكيانات, التي أطلقوا عليها اسم "المحميات," لتساعدهم في مساعيهم الحثيثة للسيطرة على المنطقة العربية ونهب ثرواتها. وعندما نجحت القوى الاستعمارية الأوروبية الغربية في إضعاف الدولة العثمانية قبل الحرب العالمية الأولي, والسيطرة على معظم أجزائها بعد ذلك, ظهرت كيانات جديدة تحت الحماية الغربية. وأصبحت الكويت واحدة من تلك الكيانات في عام 1899, نتيجة لاتفاقية الحماية التي وقعتها بريطانيا مع مبارك الصباح, الذي أصبح شيخاً للكويت بعد أن قتل أخويه محمد وجراح, كما مر في الفصل الأول أيضاً.[1]

          طبقا لنظرية النظام الاقتصادي العالمي, فإن العالم مقسم إلى ثلاث مجموعات رئيسة. تضم المجموعة الأولى كلاً من أوروبا الغربية وأميركا الشمالية واليابان, أي المجتمعات الصناعية المتقدمة, وهي بمثابة مركز الدائرة بالنسبة للنظام العالمي. وتضم المجموعة الثانية المجتمعات النامية في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية, وهي بمثابة محيط الدائرة البعيد عن المركز أو الأطراف الهامشية للنظام العالمي. أما المجموعة الثالثة, فتضم المجتمعات الصناعية الأقل تقدما, مثل روسيا وأوروبا الشرقية وشرق آسيا, وتحتل هذه المجموعة موقعاً وسطاً بين المجتمعات المتقدمة والمجتمعات النامية.[2]

        وقد عملت المجتمعات الصناعية المتقدمة, ولا تزال, على الاحتفاظ بسيطرتها على المجتمعات النامية. والهدف من تلك السيطرة هو ضمان الحصول على المواد الخام بأرخص الأسعار, واستخدامها في صناعة المنتجات المختلفة, ثم بيعها بأعلى الفوائد الممكنة. والمحصلة النهائية لهذه العملية أن مجتمعات المركز قد استمرت في تقدمها بينما بقيت مجتمعات الأطراف تراوح محلها في أوضاعها المتخلفة, والتي يطلق عليها تأدباً "النامية."[3] ومما سهل للمجتمعات الصناعية تحقيق ذلك خلقها وحمايتها لطبقات رأسمالية محلية في المجتمعات النامية تعاونت مع المصالح التجارية للدول المتقدمة وساعدتها في تحقيق أهدافها.[4] وهذا يفسر علاقة التبعية التي تربط هذه الطبقات الرأسمالية المحلية مع مثيلاتها في الدول الصناعية المتقدمة.

        وعلى ذلك, فيمكن القول أنه كانت هناك مصالح كبيرة للدول الغربية أدت بها لأن تتدخل في الأزمة العراقية~الكويتية وتجبر العراق على ترك الكويت. فلم يكن ذلك التدخل من أجل تأمين استمرار الإمدادات النفطية الخليجية إلى جميع أنحاء العالم, ولا من أجل "تحرير" بلد من "احتلال" بلد آخر له.[5] فلو كان ذلك هو الهدف, لكان من الأجدر معالجة مشكلة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية أولاً. فالاحتلال الإسرائيلي مستمر منذ عام 1967, ولم تقم إسرائيل بالانسحاب على الرغم من وجود قرارات لمجلس الأمن الدولي تدعوها إلى ذلك, خاصة قراري 242 و338, وكذلك القرار رقم 425 الخاص بجنوب لبنان الذي بدأت إسرائيل باحتلاله منذ عام 1978.[6] وعلى الرغم من ذلك الاحتلال الإسرائيلي الذي استمر لعدة عقود, فإن القوى الغربية لم تفكر أبداً بممارسة أية ضغوط على إسرائيل لحملها على الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة. وفي الحقيقة, فإن المصالح الغربية في السيطرة على النفط العربي وعائداته هي أحد أبرز العوامل الرئيسة التي أدت لشن الحرب على العراق. فالأقطار العربية المصدرة للنفط أصبحت مصدراً لثروة الطبقات الحاكمة في المجتمعات الصناعية المتقدمة أكثر من كونها مصدرا للنفط اللازم للمجتمعات الغربية بصفة عامة. فالفوائض المالية العربية الناتجة عن العائدات النفطية يتم تحويلها بانتظام إلى الدول الغربية على شكل استثمارات هناك, منذ عقود عديدة. فبحلول عام 1980, كان نصف الفوائض المالية العربية يستثمر في الولايات المتحدة وبريطانيا. وقد بلغت الاستثمارات العربية في الولايات المتحدة وحدها حوالي 100 بليون دولار من السعودية, و55 بليون دولار من الكويت, و40 بليون دولار من الإمارات.[7] وقد ارتفعت الاستثمارات الكويتية في الغرب إلى أكثر من 100 بليون دولار في عام 1990.

        وبالطبع فإن النخب العربية الحاكمة تعي مقدار تبعيتها واعتمادها على الغرب. لذلك فإنها تستثمر فوائض ثرواتها هناك عن رضى ورغبة, بدلاً من استثمارها في الوطن العربي. وعلى سبيل المثال, فإنه خلال أزمة عام 1990, تمكن آل صباح من منفاهم بالسعودية من استخدام استثماراتهم في الغرب لدفع نفقات الحكومة واللاجئين وكذلك جزء كبير من تكاليف الحرب المباشرة. ومع ذلك, فإن عدم اندثار آل صباح يعود بالدرجة الأولى إلى تعاونهم مع بعضهم البعض, وعملهم كفريق واحد معاً في قيادة النخبة الكويتية الحاكمة. وينطبق الحال أيضاً على آل سعود, اللذين تمكنوا من البقاء في الحكم نتيجة لتنظيمهم الدقيق وعملهم معاً كفريق واحد, بالإضافة إلى كثرة عددهم, مما جعلهم يفاخرون بأن لا مثيل لهم بين الأسر الحاكمة في الوطن العربي.[8]

        وفي هذا الصدد, يقدم خالد بن سلطان شهادة واضحة على قوة تنظيم آل سعود أثناء الأزمة والحرب في عامي 1990 و 1991. فهو يصف الجهود والأنشطة التي قاموا بها آنذاك بأنها كانت على درجة عالية من التنسيق والتكامل. ومن خلال وصفه, يتبين للقارئ بأن تنظيم آل سعود لأنفسهم يكاد يصل إلى مستوى حزب سياسي في غاية التنظيم. وفي هذا يقول:

"لا توجد أية نخبة حاكمة في الوطن العربي يمكنها أن تفاخر بأنها مثيل لآل سعود. كما أنه لا يوجد في العالم كله سوى عدد قليل من النخب الحاكمة التي تماثلهم ... وعلى الرغم من أن الملك قد أسند إليَّ مهمة إدارة التحالف, إلاّ إنني كنت مجرد أحد أعضاء فريق الأسرة السعودية الحاكمة, ولم أكن أعلاهم قدراً. فخلال الأزمة, كانت الأسرة الحاكمة تتصرف كجسم واحد أتاح لأعضائه المختلفين فرصة إظهار مواهبهم تحت الإشراف العام للملك. فكل واحد منهم كان له دور هام ليلعبه أثناء الأزمة. وشمل ذلك جميع أعضاء الأسرة البارزين في مختلف الميادين مثل الأمير عبد الله ولي العهد, ووزيري الدفاع والداخلية ونائبيهما, وأمير الرياض, ووزير الخارجية, وأمراء المناطق, ورؤساء اللجان الملكية, والسفراء, وأعضاء لجان الأمن الوطني, وضباط القوات المسلحة, وغيرهم. وقد أثبتت شبكة أعضاء أسرة آل سعود بأنها مرنة وفعالة. وبمساندة العديد من الأفراد من خارج الأسرة, والذين يعملون في الحكومة والمهن المختلفة والتجارة, فإن المملكة ظهرت وكأنها أكثر قوة وتماسكا – عالمياً وإقليمياً – من جيرانها جميعا."[9]

            وبالنسبة للعراق في العهد الملكي, خاصة بعد وفاة الملك غازي, فإن العلاقات بينه وبين بريطانيا كانت تشبه العلاقات التي تربط الأسر الخليجية الحاكمة مع بريطانيا. لكن تلك العلاقات قد تغيرت بعد ثورة 1958, حيث بدأ العراق باتباع سياسة مستقلة اقتربت من السياسات القومية العربية في مصر وسوريا آنذاك. وكان الاستثناء في ذلك خلال فترة الحرب العراقية~الإيرانية, عندما اضطر العراق لاستيراد كميات كبيرة من المعدات الصناعية العسكرية, مما جعله يعتمد في ذلك على الدول الصناعية. ولم تفت بن سلطان فرصة التعليق على هذا الأمر, فأشار إلى أن العراق في علاقاته التجارية مع فرنسا كان يشبه الدول الخليجية في علاقاتها مع بريطانيا والسعودية في علاقاتها مع الولايات المتحدة.[10] والحقيقة أن هناك فرقاً كبيراً بين العراق وأقطار الخليج العربي في ذلك, خاصة أن الأمر ينطبق على فترة زمنية محددة بالنسبة للعراق, ولكنها غير محددة بالنسبة للأنظمة الخليجية.

 

المصالح التجارية والبريدية لبريطانيا

 

        أصبح البريطانيون مهتمين بالكويت ومنطقة الخليج العربي نتيجة حاجتهم لتأمين طرق للبريد والتجارة مع الهند. وكانت البصرة في بداية الأمر محلاً لإقامة التجار الأوروبيين على الشاطئ الغربي للخليج العربي. لكن عدة أحداث تاريخية أرغمت البريطانيين على اتخاذ الكويت بديلا عنها. وكانت الحادثة الأولى في أبريل/نيسان 1776, عندما قام الفرس باحتلالها على إثر خلاف بين شاه إيران, كريم خان, وباشا بغداد. فقد اتهم الباشا بأنه كان يسئ معاملة التجار والحجاج الفوارس. وبسبب تلك الحادثة, قامت شركة الهند الشرقية البريطانية بنقل مقرها من البصرة إلى الكويت, خلال الفترة الممتدة ما بين عامي 1776 و 1779. كما عاودت الشركة المذكورة نقل مكاتبها من البصرة إلى الكويت خلال الفترة الممتدة ما بين عامي 1792 و 1794, وذلك بسبب الاضطرابات التي وقعت في البصرة في ذلك الحين.[11]

         وفي ديسمبر 1821, نقل المقيم البريطاني في البصرة مكاتبه إلى جزيرة فيلكه الكويتية, على إثر خلافات بينه وبين السلطات العثمانية هناك. وعلى الرغم من أن الكويت كانت تقوم بدور البديل عن البصرة في تلك الأوقات, إلاّ أن ذلك لم يكن هو السبب الوحيد لاهتمام البريطانيين بها. فقد زاد اهتمامهم بشبه الجزيرة العربية نتيجة للوجود المصري هناك. فبعد أن تمكن محمد على, حاكم مصر, من القضاء على الحركة الوهابية واحتواء الحكم السعودي, أبقى قواته هناك. كذلك فإنه عين ممثلاً له في الكويت ووقع اتفاقية مع البحرين. وبالطبع, فإن البريطانيين لم يكونوا مسرورين من تلك الأنشطة المصرية. لذلك لم يهدأ بالهم إلاّّ بعد إرغام محمد علي على التوقيع على اتفاقية لندن عام 1840, والتي تعهدت مصر بموجبها بالانسحاب من شبه الجزيرة العربية ومنطقة الخليج العربي وسوريا. وبالإضافة إلى ذلك, فإن البريطانيين زادوا من نشاطهم بهدف توطيد أنفسهم في منطقة الخليج العربي نتيجة للتنافس الاستعماري الأوروبي على استغلال موارد الدولة العثمانية. ففي عام 1872, عرض الألمان على الحكومة العثمانية مشروع سكة حديد برلين~بغداد. ورداً على ذلك, اقترحت إحدى لجان مجلس العموم البريطاني إنشاء سكة حديدية تربط الكويت بالإسكندرونه, على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط. لكن افتتاح قناة السويس والاحتلال البريطاني لمصر, في عام 1882, قللا من أهمية تلك العروض والاقتراحات. أخيراً فإن بريطانيا أرادت أن تؤكد علاقاتها الخاصة مع الكويت, والتي أصبحت رسمية بتوقيع اتفاقية الحماية في عام 1899, خاصة بعد المحاولتين العراقيتين لاستعادة الكويت في أوائل القرن العشرين. وهكذا, قام اللورد كيرزُن, نائب الملك البريطاني في الهند, بزيارة الكويت ومشيخات الخليج العربي الأخرى في عام 1903. وتمخضت الزيارة عن تعيين س ج  نوكس كأول مقيم سياسي بريطاني في الكويت. كذلك فإن كيرزن قد فرض لشيخ الكويت, مبارك, راتباً شهرياً قدره مائة ألف روبية هندية وخمسمائة كيس من الأرز. وفي المقابل, وافق مبارك, في عام 1904, على حصر الخدمات البريدية في الكويت على البريطانيين وحدهم. وفي عام 1912, وافق أيضاً على السماح للبريطانيين بإنشاء محطة لخدماتهم البرقية (التلغرافية) هناك.[12]

 

المصالح النفطية للولايات المتحدة وبريطانيا

 

        في عام 1913, وافق الشيخ مبارك الصباح على اطلاع ممثل الحكومة البريطانية, الفريق البحري سليد, على مواقع النفط في منطقة برقان. كما وافق على عدم منح أية امتيازات نفطية للأشخاص والدول إلاّ بموافقة بريطانيا (انظر الملحق رقم 5.أ). ومع ذلك, فإن الاتفاقية النهائية على الحفر بهدف استخراج النفط لم توقع إلاّ في عهد حفيده أحمد الجابر (1921-1950), في عام 1934. وبعد ذلك بأربعة أعوام, أي في عام 1938, تم اكتشاف النفط, لكن الآبار بقيت مغلقة طيلة فترة الحرب العالمية الثانية. وفي عام 1946, صدَّرت الكويت حوالي 5.9 مليون برميل من النفط بيعت بحوالي 760 ألف دولار.[13] واستمرت صادرات النفط وعائداته في الزيادة منذ ذلك الحين لتصل إلى قمتها في الفترة الواقعة بين منتصف السبعينات ومنتصف الثمانينات, كما أوضحنا في الفصل الرابع.

            وقصة النفط في الكويت تعطي مثالاً على المنافسة الشديدة والجهود الحثيثة للمجتمعات الصناعية المتقدمة للحصول على المواد الخام من المجتمعات النامية بأرخص الأسعار. وقد أصبحت الحكومة البريطانية مهتمة جدياً باستكشافات النفط في الشرق الأوسط منذ عام 1913. ففي ذلك العام, أعلن وزير البحرية البريطانية ونستن تشرشل أن بلاده تنوي تملُّك (أو السيطرة على) إنتاج النفط في المنطقة بهدف ضمان استمرار الإمدادات النفطية للسفن البريطانية. وتنفيذاً لذلك, قامت الحكومة البريطانية في العام التالي, 1914, بشراء 51 بالمائة من أسهم شركة النفط البريطانية~الإيرانية.

        أما الاهتمام الأميركي بمنطقة الخليج العربي, فقد بدأ مع بداية القرن العشرين. ففي عام 1910, وصل أعضاء يمثلون البعثة العربية لكنيسة الإصلاح الأميركية إلى الكويت. وقد أكملت البعثة بناء مستشفى عام هناك, في عام 1914. كما قامت ببناء مستشفى للنساء ومدرستين. وكان الهدف من ذلك الحصول على موطئ قدم في هذه المنطقة الغنية بالنفط.[14]  أما شركات النفط الأميركية, فقد أصبحت مهتمة بالشرق الأوسط, بحلول عام 1920. وحدث ذلك نتيجة لثلاثة عوامل رئيسة. تلخص العامل الأول في أن الاحتياطيات النفطية الأميركية كانت آخذة في التناقص. أما العامل الثاني فتمثل في التكاليف الباهظة لإنتاج النفط الأميركي. وكمن العامل الثالث في خوف الشركات النفطية الأميركية من الاحتكار الألماني~البريطاني لإنتاج النفط في الشرق الأوسط, الأمر الذي كان سيغلق باب الفرص أمامها في المستقبل. وهكذا بدأت أكبر سبع شركات نفط أميركية (الأخوات السبع) مفاوضات لها مع شركة النفط التركية, في عام 1922, بهدف شراء بعض امتيازاتها. وفي عام 1928, أصبحت شركات النفط الأميركية شريكاً كاملاً مع شركة النفط الفرنسية~البريطانية, التي كان لها امتيازات نفطية احتكارية في إيران. على إثر ذلك, قامت شركات النفط الأميركية بإنشاء شركة تنمية الشرق الأدنى, لتمثل مصالحها المشتركة في المنطقة. وفي بداية الأمر, حاول البريطانيون منع الأميركيين من دخول سوق النفط في الشرق الأوسط, لكنهم تراجعوا عن ذلك عندما ذكّرهم الأميركيون بمساندة أميركا لهم في الحرب العالمية الأولى. ومع ذلك, عادت المقاومة البريطانية للمصالح النفطية الأميركية من جديد في عام 1929, عندما كان الأميركيون يفاوضون للحصول على امتياز للتنقيب عن النفط في البحرين, لكنهم ما لبثوا أن تراجعوا هذه المرة أيضاً. وهكذا, نجحت شركة نفط ستاندرد الأميركية المسجلة في كاليفورنيا في الحصول على امتياز للتنقيب عن النفط في البحرين, في عام 1930. وقد أدى ذلك فيما بعد إلى تسهيل حصول الأميركيين على امتيازات نفطية أخرى في السعودية والكويت.

        وطبقاً لاتفاقية الحماية التي وقعتها بريطانيا مع مبارك الصباح, في عام 1899, لم يكن باستطاعة الكويت منح أية امتيازات نفطية لأية شركة بدون الموافقة البريطانية. وفي عام 1930, دخلت شركة النفط البريطانية~الإيرانية في مفاوضات مع الشيخ أحمد الجابر بهدف الحصول على امتياز للتنقيب عن النفط في الكويت. وبطبيعة الحال, فإن الحكومة البريطانية قد ساندت الشركة في مسعاها وشجعت أحمد الجابر على منحها الامتياز الذي كانت تسعى إليه. وفي نفس الوقت, كانت شركة نفط الخليج الشرقية الأميركية تفاوض الشيخ لنفس الغرض. ولم يكن باستطاعة الشركة الأميركية التقدم في المفاوضات إلاّ بعد تدخل الحكومة الأميركية كعامل توازن كان من شأنه أن يحيِّد مساندة الحكومة البريطانية للشركة البريطانية المنافسة.

        وهكذا, سمحت الحكومة البريطانية لشيخ الكويت منح امتياز نفطي للشركة الأميركية بعد تدخل الحكومة الأميركية, في عام 1933. عندها, قامت الشركتان المتنافستان بإنشاء شركة نفط بريطانية~أميركية مشتركة لاستغلال نفط الكويت. وأصبحت الشركة الجديدة تعرف بشركة نفط الكويت, والتي كانت مملوكة مناصفة للشركتين. وقد غطى امتياز الشركة الأراضي الكويتية كلها بالإضافة إلى الجزر الكويتية القريبة, ولمدة 75 سنة. وفي المقابل, وافقت الشركة على إعطاء شيخ الكويت دفعة مالية مبدئية قدرها 142,000 دولار, وأجرة سنوية مقدارها 28,000 دولار, وضريبة مبيعات سنوية مقدارها ثلاث روبيات (أي حوالي دولار واحد) على كل طن من النفط الخام. وفي المحصلة النهائية, كانت الاتفاقية مثالاً على الاستغلال الاحتكاري الذي تمارسه الدول الصناعية المتقدمة ضد المجتمعات النامية. وكان للشركة الحق في إيقاف أو تخفيض الإنتاج بغض النظر عن حاجات السوق. وهذا يفسر سبب عدم تصدير كميات كبيرة من نفط الكويت حتى عام 1951, على الرغم من أن الإنتاج قد بدأ في عام 1946.[15]         

        وفي عام 1951, تم تعديل الاتفاقية بحيث تمنح شيخ الكويت 50 بالمائة من أرباح الشركة. وكان لذلك علاقة بتأثير حكومة مصدق الثورية في إيران على المنطقة. وفي عام 1976, تمكنت الحكومة الكويتية من السيطرة الكاملة على ما تبقى من أسهم شركة نفط الكويت التي كانت في حوزة الشركتين البريطانية والأميركية. ويرجع الفضل في ذلك إلى القوة السياسية والمالية التي أصبحت تتمتع بها الأقطار الأعضاء في أوبك نتيجة للعائدات الضخمة التي جنتها على إثر الحظر النفطي العربي الذي نفّذ في عامي 1973 و 1974. ومع ذلك, فان تأميم الشركة لم ينه علاقات الكويت ببريطانيا وأميركا. فالحاجة إلى انسياب منتظم للنفط من منطقة الخليج العربي أضحت هدفاً بعيد المدى بالنسبة للدول الغربية. لذلك, لم يكن مستغرباً أن تقوم الولايات المتحدة بإرسال سفنها الحربي