الفصل السابع
أميركا
تختار الحرب
"لا تدفعونا
للحرب. لا
تجعلوها
الخيار الوحيد
المتروك لنا
لنحمي
كرامتنا. إذا
ما أقدمت الولايات
المتحدة على
إذلال العراق
علناً, فإن علينا
أن نرد, مهما
كان ذلك مدمر
لنا."
جزء
من رد الرئيس
صدام حسين على
السفيرة
الأميركية,
أبريل غلاسبي,
أثناء
اجتماعهما
في 25
يوليو/تموز 1990.[1]
"على
إسرائيل أن
تستمر في
سياستها
الثابتة, والتي
تقوم على مبدأ
منع أعدائها
القريبين
والبعيدين من
الحصول على
الأسلحة
الذرية."
أهارون
ليفراني[2]
لم يستغرق
الرئيس بوش
وقتا طويلا
للوصول إلى قرار
الحرب ضد
العراق. فقد
قرر بأن الحرب
ضرورية من أجل
تدمير مقدرات
العراق من
معدات عسكرية,
وقوى عاملة,
وصناعة
عسكرية,
واقتصاد. ولم
يكن ذلك
القرار السريع
بتبني خيار
الحرب لإخراج
القوات العراقية
من الكويت
مفاجأة
للمراقبين
المتابعين
لكيفية صنع
القرار في
أميركا. فقد
تم تصنيف
العراق في
خانة أعداء
الولايات
المتحدة في الشرق
الأوسط منذ
أوائل عام 1990, من قبل
الخبراء
والقادة
العسكريين
ومؤيدي
إسرائيل في الكونغرس
ووسائل
الإعلام.
وقد
انتقلت
العلاقات
العراقية~الأميركية
من الصداقة
إلى العداوة
عدة مرات طيلة
القرن العشرين.
فخلال معظم
الخمسينات,
كان العراق يعد
صديقاً للغرب,
نظراً لأن
حكومته
الملكية كانت
موالية
لبريطانيا. أما
حكومات
النظام
الجمهوري,
فإنها اعتبرت
معادية للغرب
طيلة
الستينات
والنصف الأول
من السبعينات.
وقد خف العداء
الغربي
للعراق بعد توقيع
اتفاقية
الجزائر في
عام 1975,
مع حكومة شاه
إيران
الموالية
للغرب. واستمر
ذلك الحال
طيلة الحرب
العراقية~الإيرانية
(1980-1988). وحتى بعد
انتهاء الحرب,
أراد بعض
موظفي وزارة الخارجية
الأميركية
الاستمرار في
السياسة الودية
تجاه العراق.
فاقترحت
السفيرة
أبريل غلاسبي
تحسين
العلاقات
العراقية~الأميركية.
واستجابة
لذلك, أصدر
الرئيس بوش
توجيهاً رئاسياً
في 2
أكتوبر/تشرين
أول 1989
(توجيه الأمن
القومي رقم 26), لهذا
الغرض.
وكان
الهدف زيادة
حجم التجارة
بين البلدين.
فقد اشترت
الولايات
المتحدة ما
قيمته حوالي 1.6 بليون
دولار من
النفط
العراقي
الخام, في عام 1988. ولكن
التوجيه
الرئاسي أدى
إلى زيادة
الواردات
العراقية من
الحبوب
الأميركية
بحوالي بليون
دولار في
العام, وذلك
بعد تزويد
المصدرين
الأميركيين
بتأمين حكومي
على صادراتهم.[3]
وفي 6
أكتوبر/تشرين
أول 1989,
تقابل وزير
الخارجية
الأميركي
(جيمس بيكر) مع
وزير
الخارجية
العراقي (طارق
عزيز) من أجل الحصول
على مساندته
لخطة الرئيس
مبارك للوساطة
بين
الفلسطينيين
والإسرائيليين.
لكن طارق عزيز
امتنع عن ذلك
واشتكى من
محاولات
أميركية
لزعزعة
الاستقرار في
العراق. وعلى
إثر ذلك, قام
جيمس بيكر
بمراجعة كل من
الرئيس بوش
ومستشاره
لشئون الأمن
القومي (برنت
سكوكروفت) في
شكوى طارق
عزيز, فنفى
الاثنان ذلك.
وطلب بوش من
بيكر أن يكتب
رسالة إلى
طارق عزيز, في
نهاية
أكتوبر/تشرين
أول, يخبره
فيها بأن
"الولايات
المتحدة غير
متورطة في أية
محاولة
لإضعاف
العراق أو
لزعزعة
استقراره."[4]
وعلى
الرغم من هذه
التأكيدات,
فإن العراق قد
انتقل بسرعة
من قائمة
الدول
الصديقة إلى
قائمة الدول
المعادية, في
أقل من عام واحد.
فالمتعاطفون
مع العرب من
"المستعربين"
في وزارة
الخارجية, مثل
السفيرة
أبريل غلاسبي,
لم يتمكنوا من
الصمود في وجه
النفوذ
الطاغي "لأعوان
إسرائيل,"[5] الذين
تمكنوا من
تغيير
السياسة
الخارجية الأميركية
نحو العراق,
ابتداء من
أبريل/نيسان 1990. وهذا يعني
أن الإدارة
الأميركية
كانت تعيش
حالة عداء
للعراق حتى قبل
حدوث الغزو
العراقي
للكويت
بأربعة أشهر,
أي أن القصة
الحقيقية
لأزمة الخليج
والحرب التي
تلتها بدأت
قبل الثاني من
أغسطس/آب 1990 بوقت طويل.
ولا يمكن فهم
تلك القصة
إلاّّ بفهم
طريقة عمل
النخبة
الحاكمة في
الولايات المتحدة.
يحتوي
هذا الفصل على
أربعة أجزاء
مكرسة لبحث كيفية
وأسباب
اختيار
أميركا للحرب
كوسيلة لإنهاء
الأزمة. يتضمن
القسم الأول
تحليلاً لنظرية
"واقعية
النخبة
الحاكمة,"
بهدف إيضاح كيفية
قيام أعضاء
النخبة
الأميركية
الحاكمة بأدائهم
لمهماتهم, من
تفكير وتخطيط
وتنفيذ, خاصة
فيما يتعلق
بالسياسة
الخارجية
الأميركية.
ويتضمن القسم
الثاني تحليل
مواقف أهم الأشخاص
الذين لعبوا
أدواراً في
صنع السياسة الخارجية
أو التأثير
عليها, وذلك
بهدف تبيان كيفية
صنع قرار
الحرب, ومن هم
الذين كان لهم
النفوذ
الأكبر في
صنعه. لذلك,
سيشمل البحث
أهم المؤسسات
الخاصة
والإدارات
الحكومية
التي يتواجد
فيها أولئك
الأشخاص, مثل
معهد واشنطن لسياسة
الشرق الأدنى,
ومجلس
العلاقات
الخارجية,
ومجلس الأمن
القومي,
ووزارة
الدفاع, ووزارة
الخارجية.
كذلك, فإن
الجزء الثاني
يحتوي على
تحليل لتأثير
رئيسة
الوزراء
البريطانية (مارغريت
تاتشر) على
موقف الرئيس
بوش من
الأزمة.
ويبحث
القسم الثالث
في كيفية تبني
إدارة بوش لخيار
الحرب (بدلاً
من قبول
المبادرات
السلمية)
كوسيلة
لتحقيق
الانسحاب
العراقي من
الكويت. وذلك
يشمل تحليلاً
للسياسة
الأميركية تجاه
العراق,
ولكيفية
تبرير إدارة
بوش للحرب, خاصة
بالإشارة
لمزايا
استخدام
القوة (بالنسبة
للولايات
المتحدة)
ومساوئ
اللجوء إلى
العقوبات
الاقتصادية
(كوسيلة ضغط
على العراق).
كذلك, فإن هذا
الجزء يشمل
تحليلاً
للدور الذي
لعبه الرئيس
بوش ومعه صقور
الحرب
الآخرين في
مجلس الأمن
القومي
والكونغرس من
أجل استعداء
الشعب
الأميركي على
الرئيس
العراقي صدام
حسين, من خلال
وصفه بأنه
"هتلر"
والإشارة
إليه بصفة
المفرد
الغائب, "هو,"
تجنباً لذكر
اسمه. ويعرض
القسم الأخير
من هذا الفصل
إلى كيفية
استخدام
الرئيس بوش
لفكرة النظام
العالمي
الجديد بهدف
جعل استعمال
القوة لحل
الأزمة يبدو
وكأنه أداة
لتحقيق
السلام, ليس
في الشرق
الأوسط فحسب,
بل في العالم
كله. والتحليل
هنا يستند كثيراً
على المذكرات
التي كتبها
بوش مع مستشاره
للأمن القومي,
والتي نشرت في
عام 1998.
والهدف من ذلك
تجنب أي
احتمال للشك
في دقة الأحداث
المشار إليها.
واقعية
النخبة
الحاكمة[6]
طبقا
للنموذج
النظري الذي
يستخدمه بعض
علماء
الاجتماع
والسياسة,
والمعروف
"بالنخبة الحاكمة,"
يتم تحليل
الدولة على
أساس أنها لا
تقع تحت سيطرة
السياسيين
المنتخبين
فحسب, وإنما
تحت سيطرة
فئتين أخريين
غير منتخبتين
من قبل الشعب,
هما كبار رجال
الأعمال
وكبار القادة
العسكريين. مع
العلم, بأن
فئة رجال
الأعمال هي
الأقوى
والأكثر
نفوذاإ بين
الفئات الثلاثة
التي تكوِّن
معاً ما يعرف
بالنخبة
الحاكمة.
فتبرعاتهم
السخية التي
يقدمونها
للسياسيين
تتيح لهم أن
يتمتعوا
بتأثير كبير
على من سيتم
تعيينه في
المناصب
العليا في
الوزارات والإدارات
الحكومية
المختلفة.
والحقيقة أن
معظم من يتم
تعيينهم في
تلك المناصب
هم ممن كانوا
يشغلون مناصب
إدارية عليا
في الشركات
التي يدين لها
السياسيون
بالولاء
نتيجة
تبرعاتها الكبيرة
لهم أثناء
حملاتهم
الانتخابية.
كما يأتي
بعضهم من
الشركات
القانونية
المعروفة بميلها
للحزب الفائز
في
الانتخابات.
أخيراً, فإن بعض
التعيينات في
المناصب
العليا تذهب
إلى أبرز
أساتذة
"الدفاع"
الذين يعملون
في الجامعات
الشهيرة,
والتي غالبا
ما تتلقى هبات
من وزارة
الدفاع
لتمويل أبحاث
ذات
استخدامات
عسكرية. ويقوم
هؤلاء
الأساتذة
بتأليف الكتب
وكتابة
المقالات
التي تبرر
مزيداً من
الإنفاق العسكري,
كما يقومون
بتمجيد
الحروب
والمغامرات العسكرية.
وهكذا, فإنهم
يعملون لصالح
كبار شركات
الصناعات
العسكرية,
وبالتالي
يحظون بمساندتها.
وعلى
ذلك, فليس
مصادفة أن
يقوم ديفِد
روكفلر بمساندة
تعيين اثنين
من هؤلاء
الأساتذة,
وهما هنري
كيسنجر (كوزير
للخارجية
أثناء حكمي
نيكسون وفورد)
وزبغنيو
بريزنسكي
(كمستشار للأمن
القومي أثناء
حكم كارتر).
وبعد أن أصبح
لكيسنجر
شركاته
الخاصة به,
بالإضافة الى
نفوذه الكبير,
فإنه ساند
تعيين اثنين
من موظفيه في
مناصب عليا,
وهما برنت
سكوكروفت
(الذي عين
مستشاراً
للأمن القومي
في عهد بوش)
ولورنس إيغلبرغر
(الذي عين
نائباً لوزير
الخارجية, ثم
وزيراً
للخارجية في
عهد بوش
أيضاً). وبعد
أن ترك ماك
جورج بندي
منصبه
كمستشار
للأمن القومي,
عمل رئيساً
لمؤسسة فورد.
أما وزراء
الدفاع
تشارلز
ويلسون, ونيل
مكلروي,
وتوماس غيتس,
وروبرت
مكنمارا,
وكاسبر
وينبرغر, فقد
شغلوا أعلى
المناصب في
جنرال موتورز,
و بوكتر أند غامبل,
و مورغان
غارانتي ترست,
و فورد, و شركة
بكتل, على
التوالي. وكان
جميعهم رؤساء
للشركات المذكورة
أو رؤساء
لمجالس
إداراتها ما
عدا كاسبر
وينبرغر, الذي
كان نائباً
لرئيس شركة
بكتل. ولم يكن
تأثير ممثلي
النخبة الحاكمة
هؤلاء
مقصوراً على
مناصبهم في
الوزارات والإدارات
الحكومية
التي شغلوها,
وإنما تعدى ذلك
إلى التأثير
على الرئيس
نفسه. فهؤلاء
هم رفاقه
ومعلموه
الذين
يختلطون به
ويعرِّفونه بوجهة
نظرهم حول ما
يجري في
العالم, وحول
ما ينبغي أن
يكون موقف
أميركا منه.[7]
والحقيقة أن
"الواقعية
السياسية"
ليست إلاّ
وجهة نظر
مغرقة في
التبسيط, تنظر
للحرب على أنها
مبنية على
لعبة سياسات
القوة. وهي
تمثل وجهة
النظر
السائدة بين
السياسيين
وأساتذة العلوم
السياسية
الأميركيين.
وتضع المدرسة
"الواقعية"
أهمية بالغة
على كسب الحرب
بأية وسيلة.
لذلك, فإن أتباع
هذه المدرسة
غير معنيين
بأية أمور
تتعلق بالعدل
والإنصاف, أو
المكاسب
المشتركة, أو
حتى بتكاليف
الحروب. وهم
غرباء عن مبدأ
"عدم جواز
الفصل بين
المصالح
القومية
والواجبات الأخلاقية,"
الذي نادى به
توماس
جيفرسون (أحد
مؤسسي
الجمهورية
الأميركية).[8] وقد وصف
وزير
الخارجية
الأميركي
(جيمس بيكر) نفسه
بأنه "واقعي,"
وأنه والرئيس
بوش ينتميان
لجيل من
الأميركيين
الذين
احتضنوا بقوة
فكرة
"الهيمنة
الأميركية
على العالم."[9] وهذا
الاصطلاح
يعني (على
الأقل طبقاً لقاموس
وبستر) إبقاء
أميركا كقوة
عسكرية
مسيطرة بهدف
الحفاظ على
الاستقرار في
الشئون
الدولية. كذلك
فإنه يعني مد
النفوذ
الأميركي
لجميع أنحاء
العالم, طبقاً
لبريزنسكي.[10]
وقد
كان هنري
كيسنجر
مهندساً
للواقعية
السياسية
ومتقناً لها,
خاصة في
علاقات الغرب
بالشرق, وتبعه
في ذلك جيمس
بيكر. وتمثلت
هذه السياسة
بشكل أساسي في
ربط أية
اتفاقية للحد
من التسلح
بالشئون
السياسية
التي تهم الإدارة
الأميركية.
وقد أطلق
أنصار هذه
السياسة على
أنفسهم لقب
"الواقعيين"
في معارضة للمواقف
"المثالية"
التي كان
يتخذها كبير
المفاوضين
الأميركيين,
جيرارد سميث,
الذي أدت به "مثاليته"
إلى السذاجة
(في رأيهم),
وذلك لأنه كان
يكتفي
بالمفاوضة
على الحد من
بعض أنواع الأسلحة
في مقابل الحد
من أنواع
أخري, دون فرض
شروط أو تحقيق
امتيازات
إضافية. فقد
كانوا يعرفون
بأن الولايات
المتحدة
تتمتع بموقف
أقوى في
مفاوضاتها مع
الاتحاد
السوفيتي.
وأتاح لهم ذلك
المطالبة
بتنازلات
سوفيتية في
أمور أخرى
بعيدة عن
التسلح, خاصة
فيما يتعلق
بالهجرة
اليهودية من
الاتحاد
السوفيتي
وأوروبا الشرقية.
واستمرت تلك
السياسة بقوة
أكثر عندما تم
تغيير سميث,
وحل محله
يوجين روستو
أولاً ثم كِن
أدلمان بعد
ذلك.[11]
وهكذا,
وظف أولئك "الواقعيون"
مفاوضات سباق
التسلح
لتحقيق الأهداف
الصهيونية,
خاصة الهجرة
اليهودية إلى
إسرائيل. وتعد
هذه الحقيقة
واحدة من
الشواهد الواضحة
على طبيعة
العلاقات
الصهيونية~الأميركية.
وبالمناسبة,
فإن كثيراً من
السياسيين والمثقفين
العرب
يعتقدون بأن
أميركا "تتعاطف"
مع إسرائيل أو
"تنحاز" لها,
وهذا وصف غير
دقيق بالمرة
لعلاقات
الولايات
المتحدة
بإسرائيل. والسبب
في عدم الدقة
هنا ينبع من
حقيقة أن الذي
يتعاطف أو
ينحاز يملك
القدرة على
فعل ذلك. أما
في حالة
السياسيين
الأميركيين,
فليست لهم تلك
القدرة, وذلك
ببساطة لأنهم
خاضعون تماماً
للسيطرة
الصهيونية
المباشرة.
وليس من المبالغ
فيه القول
بأنه لا توجد
سياسة خارجية
أميركية
مستقلة عن
السياسة
الإسرائيلية
والاستراتيجية
الصهيونية.
وليس من الدقة
أيضاً القول
بأن أميركا
توظف إسرائيل
لمصالحها في
الشرق الأوسط,
لأن العكس هو
الصحيح.
فإسرائيل هي
المهيمنة على
النظام
الأميركي, وهي
التي توظفه لتحقيق
أهدافها.
لكن, كيف
توصل
"الواقعيون"
لموقفهم ذاك؟
يقول أحد
منظِّريهم,
وهو مورجنتاو,[12] أن السبب في
ذلك يكمن في
الطبيعة
"الفوضوية" للعلاقات
الدولية.
ولذلك, فإن
الحكام في بلد
ما هم الذين
يقررون
المصالح
القومية, كما
أنهم
يستخدمون
القوة
المحسوبة
لتحقيق أهدافهم
من خلال
الحروب التي
يشنونها.
وهكذا, فإن
حجم القوة
التي يقررون
استخدامها في
الحروب ليس له
علاقة بحجم
وقدرات
أعدائهم,
وإنما تقرره
أهداف الحرب
التي يضعونها.
وهذا يعني أنه
لا توجد مصالح
قومية دائمة
ومعروفة.
وبدلاً من
ذلك, فإن
الجماعات
المؤثرة في
المجتمع هي التي
تقرر ماهية
المصالح
القومية
بطريقة تحمي
مصالحها, التي
تترجم الى
سياسات يلتزم
بصياغتها
وتنفيذها
ممثلوها
المعينين في
المناصب
العليا في
الحكومة.[13]
وعادة ما
يقوم
"الواقعيون"
باستخدام
النظرية
"الشعبية"
لتحضير الشعب
للحرب.
فيصورون أحد
أطراف الحرب
على أنه يمثل
الخير, بينما
يكون الآخر
ممثلاً للشر. ويتم
رسم صورة
للعدو على أنه
شيطان, وهمجي,
ومتخلف. ويؤدي
مثل هذا
الاستقطاب
إلى الحيلولة دون
المناقشات
العامة حول ما
إذا كانت
الحرب ضرورية,
كما أنه يبتر
أية محاولة
لحل الصراع
بصفة سلمية.
وعندما يتكون
مثل هذا النوع
من التفكير
تجاه العدو
عند أفراد
الطبقة الحاكمة,
فإنهم لا
يختلفون عن
بعضهم البعض,
وتصبح
تصريحاتهم
المتعلقة
بالصراع
واحدة لا خلاف
بينها.[14]
وبالفعل,
فإن واقعيي
إدارة بوش قد
استخدموا النظرية
الشعبية
للتأثير على
الرأي العام
الأميركي
بهدف كسب
تأييده لقرار
الحرب. فمنذ
البداية, تم
وصف الرئيس
العراقي بأنه هتلر.
ولم تكن هناك
مناقشات داخل
الإدارة حول قرار
الحرب. وبدلاً
من ذلك, تركزت
المناقشات على
كيفية تدمير
العراق بأقل
تكاليف ممكنة.
ونتيجة لذلك,
فإن قسماً
كبيراً من
الأميركيين
قد وافق على
تبني ذلك
النمط
التبسيطي
للرئيس
العراقي, كما
تقبل قرار
الحرب. وقد
أوردت صحيفة
لوس أنجيلس
تايمز, في
عددها الصادر
يوم 14
ديسمبر/كانون
أول 1990,
أن 61
بالمائة من
الأميركيين
كانوا يؤيدون
سياسة إدارة
بوش بشأن
الأزمة
العراقية~الكويتية.
وذكرت محطة تلفزيون
إن بي سي,
استنادا إلى
استطلاع آخر
للرأي, بأن 54 بالمائة
من
الأميركيين
كانوا
يوافقون على قرار
إدارة بوش بشن
الحرب على
العراق إذا لم
يسحب قواته من
الكويت قبل 15
يناير/كانون
ثاني 1991.[15] وقد عبَّر
ذلك التأييد
الشعبي لقرار
الحرب عن نفسه
في العدد
الهائل من
الأشرطة
القماشية
الصفراء التي
علقت على الأشجار
والبيوت وعلى
صدور الناس.[16]
وطيلة
مدة الأزمة
والحرب, كان
معظم
السياسيين
والصحفيين
يبالغون في
وصف الصراع
وكأنه بين
الولايات
المتحدة وشخص
الرئيس
العراقي وحده.
وقد بلغوا في
ذلك حد الهوَس
والاستحواذ. وكانوا
يتعمدون عدم
ذكر اسم
الرئيس
العراقي أو
لقبه الرسمي,
فكانوا
يشيرون له, في
معظم الأحوال,
على أنه "هو,"
وليس "صدام
حسين," أو
"الرئيس
العراقي." وكانوا
بذلك يعطون
انطباعاً
لمستمعيهم أو
قرائهم بأن
الحرب لم تكن
ضد الشعب
العراقي, وإنما
فقط ضده "هو."
وكانت تلك
وسيلتهم في
تحصين
الأميركيين
ضد أي تطور
لمشاعر
التعاطف نحو
الشعب
العراقي
مستقبلاً,
خاصة بعد أن
تتسبب الحرب
ومن بعدها
الحظر
والعقوبات في
إزهاق أرواح
مئات الآلاف
من العراقيين.
وتقدم لنا
مذكرات
الرئيس بوش
ومستشاره
سكوكروفت, التي
نشراها على
شكل كتاب في
عام 1998,
مثالاً على
الإصرار على
تبسيط الحرب
وكأنها شنت ضد
"صدام," وعلى
كيفية تصوير
الحرب التي
شنت على الشعب
العراقي
وكأنها كانت
ببساطة
لمعاقبته "هو"
(أي معاقبة
الرئيس
العراقي
شخصياً).
أما
القوات
العراقية في
الكويت, فكانت
توصف بأنها
وحشية في
تصرفاتها نحو
الكويتيين.
وخلال إحدى
جلسات
الاستماع في
الكونغرس,
التي سبقت التصويت
لصالح قرار
الحرب الذي
اتخذته إدارة بوش,
استمع أعضاء
الكونغرس
ومعهم الشعب
الأميركي إلى
شهادات تفيد
بأن
العراقيين
كانوا يأخذون
المعدات
الطبية, بما
في ذلك حاضنات
الأطفال, من
المستشفيات
الكويتية. وقد
قامت عدة صحف
وشبكات
تلفزيونية
بالتحقيق في
صحة تلك القصة,
بعد ذلك.
وأظهرت
المقابلات
التي أجريت مع
الأطباء
والإداريين
الكويتيين,
بعد الحرب, أن
ذلك لم يحدث.
والحقيقة أن
أولئك
الأطباء والإداريين
هم الذين
أخفوا تلك
الأجهزة في
المخازن
الموجودة في
الأدوار
السفلى من
المستشفيات.[17] وفوق ذلك,
فإن منظمة
العفو
الدولية, التي
كانت مسئولة
عن ترويج
القصة
الكاذبة, قد
اعتذرت, بعد
الحرب, على
تقريرها
الأوَّلِي
الذي نشرته عن
الموضوع وذلك
لأنها "لم تجد
دليلاً يعتمد
عليه لمساندة
ذلك
الادّعاء."[18] ومع ذلك, بقي
الرئيس بوش
مصمماً على
القصة وذكرها
في كتابه حتى
بعد انفضاح
أمرها بسبع
سنوات, وبدون
أي تعليق على
مدى صحتها أو
دقتها.[19]
العوامل
المؤثرة على
قرار الحرب
في صيف عام 1989, أي بعد
حوالي عام من
انتهاء الحرب
العراقية~الإيرانية,
توصل محللو
وزارة الدفاع
الأميركية
إلى استنتاج
مفاده أن
العراق قد
أصبح يشكل
تهديداً أكبر
على استقرار
المنطقة من التهديد
الإيراني.[20] والحقيقة
أنهم توقعوا
أن يقوم
العراق بغزو الكويت
في
ديسمبر/كانون
أول 1989,
أي قبل الغزو
الفعلي بتسعة
أشهر. وكانت
أبرز الحقائق
التي بنوا
استنتاجاتهم
عليها تتلخص
في أن العراق
قد أنهى الحرب
مع إيران بنجاح,
وبجيش تعداده
مليون جندي,
ولكن أيضاً بديون
خارجية
مقدارها
حوالي 90 بليون
دولار, وتدهور
مستمر في
أسعار النفط
نتيجة
لسياسات
الإنتاج
الكويتية.[21]
وقد
توصل خبراء
وزارة
الخارجية
لنفس الاستنتاج,
منذ أوائل عام
1990.
ونجح دينيس
روس و بوب
كيميت في
التأثير على وزير
الخارجية
(جيمس بيكر)
لتغيير
السياسة الأميركية
نحو العراق,
في
أبريل/نيسان
من ذلك العام.
وهكذا, تم
تصنيف العراق
من قبل خبراء
الإدارة
الأميركية
على أنه قوة
معادية, قبل
قيامه بغزو
الكويت بعدة
أشهر.
والحقيقة أن
أولئك الخبراء
هم الصناع
الحقيقيون
للسياسة الأميركية,
وليس الرئيس
أو الكونغرس.
فقد اعترف الرئيس
بوش في
مذكراته أنه
لم يكن يعرف
الموقف الأميركي
من الأزمة,
حتى في اليوم
التالي لوقوع
الغزو. فكيف
اتخذ الرئيس
بوش قراره بعد
ذلك؟ وما هي
العوامل
الرئيسة التي
أثرت عليه في
اتخاذه لقرار
الحرب؟
يمكن
تلخيص تلك العوامل
في ثلاث
مجموعات:
المجموعة
الأولي لها تأثير
بعيد المدى
على صنع
السياسة
الأميركية.
وتتمثل هذه
المجموعة في
معاهد
الأبحاث والمجالس
التي تروج
لسياسات
الحرب
الباردة عالمياً
وإقليمياً,
وعلى رأسها
معهد واشنطن
لسياسة الشرق
الأدنى و مجلس
العلاقات
الخارجية. فخلال
الثمانينات,
صدرت عنهما
تقارير ونشرت
مقالات تحذر
من التهديد
العراقي
للوضع القائم
في الشرق
الأوسط, خاصة
تهديد العراق
للتفوق العسكري
الإسرائيلي
في المنطقة.
وأهم من ذلك
أن مؤلفي تلك
التقارير
والمقالات
كان يتم تعيينهم
كخبراء لشئون
الشرق الأوسط,
في الإدارات (الحكومات)
الأميركية
المتعاقبة.
وكان ذلك يتيح
لهم تحويل
أفكارهم إلى
خطوط عريضة,
تصبح مرجعيات
للسياسات
التي تصنع في
الإدارات
والوكالات
الحكومية
المختلفة.
وهكذا, فإن
تلك التقارير
والمقالات قد
هيأت جواً من
العداء للعراق
داخل الإدارة
الأميركية,
قبل قيام
العراق بغزو
الكويت بوقت
طويل. وكان
تأثير
المجموعة الثانية
من العوامل
مباشراً,
ولكنه متصل
بالمجموعة
الأولى أيضاً.
وتمثل ذلك في
مناصب أولئك
الخبراء,
الذين أصبحوا
موظفين
رسميين في الحكومة,
خاصة في مجلس
الأمن القومي,
ووزارة الدفاع,
ووزارة
الخارجية.
أخيراً, فإن
الرئيس بوش قد
تعرض لتأثير
خارجي عليه,
تمثل في رئيسة
الوزراء
البريطانية,
مارغريت
تاتشر.
وعلى ذلك, يمكن الإشارة إلى معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى على أنه كان أول المؤثرات على الرئيس بوش في اتخاذ قرار الحرب. وكان الغرض من تأسيس المعهد على يدي دينس روس ومارتن إنديك في عام 1985, التأثير على الإدارات الأميركية المتعاقبة حتى تتبع سياسة موالية لإسرائيل في الشرق الأوسط. فتحضيرا للتغيير الذي يحدث في الحكومة نتيجة للانتخابات الرئاسية التي تقع كل أربعة أعوام, يقوم المعهد بإصدار خطة عمل يوقعها مجموعة من السياسيين المنتمين للحزبين الذين يتناوبان على السلطة في أميركا. وسواء كانت الإدارة الجديدة ديمقراطية أو جمهورية, فإنها تلتزم بتلك الخطة كمرجعية للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط.