الفصل الثامن

مبادرات السلام

 

        لأن إدارة بوش قد وضعت العراق في خانة الأعداء قبل غزو الكويت بشهور عديدة, أصبح خيار الحرب مفضلاً لديها عن الحلول السلمية لحل الأزمة. لهذا السبب, فإنها استمرت في رفض جميع المبادرات السلمية التي عرضها العراق أو أتى بها الوسطاء الآخرون. وكان العذر الذي استخدم في كل مرة لرفض تلك المبادرات ما أصبح معروفاً فيما بعد "بالربط."

        يبدأ هذا الفصل بالبحث في ذلك العذر. ويلي ذلك عرض لأهم المبادرات السلمية التي رفضت نتيجة لعذر الربط المفتعل, بما في ذلك اجتماع جنيف الشهير. كذلك فإن هذا الفصل يلقي بعض الضوء على محاولات الديمقراطيين في الكونغرس لتجنب الحرب, عن طريق محاولة إقناع إدارة بوش باستعمال العقوبات الاقتصادية بدلاً عن الحرب. ونتيجة لتلك المحاولات, أصبح زعماء الديمقراطيين, من أمثال عضو مجلس الشيوخ سام نن, عرضة للسخرية نظراً لسلوكهم "السلمي," فتساووا في ذلك مع "المستعربين" من موظفي وزارة الخارجية السوفيتية, الذين كان يزدريهم ويتهجم عليهم أعوان إسرائيل في الإدارة الأميركية. ومع أن هذا الفصل يستند إلى مصادر عديدة, إلاّ إنه يركز على ثلاثة منها, وهي مذكرات الرئيس بوش ومستشاره لشئون الأمن القومي برنت سكوكروفت,[1]  ومذكرات وزير الخارجية جيمس بيكر,[2] وجلسات الاستماع التي انعقدت في مجلس الشيوخ الأميركي برئاسة عضو المجلس سام نن لمناقشة السياسة الأميركية في منطقة الخليج العربي.[3] وباستعمال هذه المصادر الرئيسة الثلاثة لتحليل كيفية تصرف إدارة بوش أثناء الأزمة, فإنه يمكن تجنب أي خلاف على صحة ودقة الأحداث المعنية.

 

معضلة الربط

 

        وصل أول عرض عراقي للانسحاب من الكويت إلى إدارة بوش في 11 أغسطس/آب 1990, أي بعد أُسبوع من الغزو تقريبا. وقد عرض العراق الانسحاب من الكويت في مقابل الحصول على مدخل إلى الخليج العربي ومفاوضات على أسعار النفط.[4] وقد صُرف النظر عن المبادرة في الحال لأن الانسحاب كان "مشروطاً."

        وفي اليوم التالي, أي في 12 أغسطس/آب, أعلن الرئيس صدام حسين عرضاً آخر, رُفض في الحال أيضاً, لأنه تضمن "ربطاً." وفي هذه المرة, عرض العراق الانسحاب بدون شروط تعديل الحدود أو التفاوض على أسعار النفط, ولكن في مقابل الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة.[5] وقد رفضت إدارة بوش تلك المبادرة أيضاً لأنها كانت ستقود إلى ممارسة ضغط على إسرائيل لتنفذ قرارات الأمم المتحدة, أرقام 242 و 338 و 425, التي تدعو إلى انسحابها من الأراضي العربية التي احتلتها في الأعوام 1967 و 1978 و 1982.[6]

        لكن لماذا لم تستغل إدارة بوش تلك الفرصة التاريخية التي كانت يمكن أن تمكنها من تحقيق انسحاب عراقي سلمي من الكويت, والوصول إلى حل للصراع العربي~الإسرائيلي في نفس الوقت؟ في الحقيقة أن الجواب يكمن في نفوذ "المتخصصين" في الإدارة الأميركية, والذين هم ليسوا فقط من أعوان إسرائيل, وإنما من أنصار سياسات حزب الليكود العدوانية والتوسعية أيضاً.[7] ونظراً لأن هؤلاء قد استمروا في مناصبهم بعد الحرب, فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي العمالي يتسحاك رابين قد طلب من الرئيس كلنتُن ألاّ يطلعهم على مباحثات أسلو خوفاً من قيامهم بمحاولة وقفها أو إبطائها, وكان يقصد بذلك دينيس روس ومارتن انديك وأنتوني ليك.[8]

أما شمعون بيرس, فقد عبر عن ألمه لأن يتسحاك شامير قد رفض اتفاقه مع الملك حسين في عام 1987, في لندن, والذي كان يهدف إلى بدء عملية السلام. فقد اتفقا هناك على فتح مباحثات مباشرة بين إسرائيل ووفد أردني~فلسطيني مشترك, في إطار مؤتمر دولي للسلام.[9] وبعد ذلك بأشهر, أي في عام 1988, قام ثلاثة من أعوان إسرائيل (هم دينيس روس وريتشارد هاس ومارتن إنديك) بكتابة تقرير عما ينبغي أن تكون عليه السياسة الأميركية في الشرق الأوسط, وأصبح بالفعل مرجعاً لتلك السياسة منذ ذلك الحين. وقد أخذ التقرير برؤية شامير لكيفية معالجة الصراع العربي~الإسرائيلي. فأوصى الإدارة الأميركية (أياً كانت) بألاّ تسعى لتحقيق نتائج سريعة لعملية السلام. وبدلاً من ذلك, ينبغي أن تنخرط في "عملية إنضاج" تدريجية.[10] واتبعت الإدارات الأميركية المتعاقبة تلك السياسة بأمانة. فما دامت إسرائيل في موقع الطرف الأقوى في الصراع, تتذرع الولايات المتحدة بأن على الفرقاء الوصول إلى الحل بأنفسهم, وليس من شأنها فرض الحل عليهم. لكن, لو حدث تهديد للأمن الإسرائيلي, فإنها تتدخل بقوة ضد الجانب العربي. وهكذا, كان أعوان إسرائيل ضد فكرة المؤتمر الدولي, لأن شامير كان ضدها. وعندما وقع الغزو العراقي للكويت, وطرح العراق ربط انسحابه من الكويت بانسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة, طار صواب أعوان إسرائيل في إدارة بوش وصمموا على رفض جميع المبادرات السلمية لحل الأزمة لأنها كانت تتضمن نوعاً من ذلك الربط.

كذلك فإن أعوان إسرائيل في إدارة بوش قد رأوا في الحرب القادمة فرصة لتدمير قدرات ألد أعدائهم, أي العراق. لذلك لم يكن منطقياً بالنسبة لهم أن يقبلوا المبادرات السلمية العراقية, حتى وإن كانت تقتضي منهم الموافقة على مجرد وعد بالنظر في مسألة الاحتلال الإسرائيلي, بعد ذلك.

وهكذا, حذر أحدهم, وهوَ لاري إيغلبرغر (نائب وزير الخارجية) أثناء انعقاد الجلسة الثانية لمجلس الأمن القومي بعد الغزو, أي في 3 أغسطس/آب, أن السعودية ستكون هدف صدام المقبل, الأمر الذي سيمكنه مع مرور الزمن من التحكم بمنظمة أوبك وبأسعار النفط.[11] وأضاف بأنه لو كُتب لصدام النجاح في ذلك "فإنه سيستهدف إسرائيل بعد ذلك."[12] وتبنى مستشار بوش لشئون الأمن القومي, برنت سكوكروفت, مقولة إيغلبرغر قائلاً: "بالهجوم على صدام دبلوماسياً ثم عسكرياً, فإننا نكون قد هاجمنا أحد أعدائهم (أي أعداء الإسرائيليين) الأساسيين, وربما ألد أعدائهم."[13]

ولم يكن الرئيس بوش مختلفاً عن مستشاره سكوكروفت في اتباع الخطوط العريضة التي وضعها إيغلبرغر. فعبر عن قلقه إزاء حديث المسئولين السوفيت عن تسوية سلمية شاملة, ومؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط. وكان يشعر بأن مثل هذا المؤتمر سيتضمن محاولة حل مسألة الأراضي العربية المحتلة. ولم يكن باستطاعته أن يتصور إرغام إسرائيل على الالتزام بالقانون الدولي, مثلما كان يطلب من العراق أن يفعل, وبدون شروط. لذلك فإنه اعتبر مثل هذه الحلول "ربطاً لأزمة الخليج مع المواجهة العربية~الإسرائيلية," الأمر الذي كان عليه تجنبه بأي ثمن.[14]

          ولو أن إدارة بوش كانت تعبر عن المصالح الأميركية فقط, لما رأت حرجاً في تطبيق القانون الدولي على عدوان إسرائيل على الأمة العربية. لكنها كانت تعبر عن مصالح إسرائيل بالدرجة الأولى (شأنها في ذلك شأن باقي الإدارات الأميركية). ولو كانت تتبع معياراً واحدا إزاء القضيتين, لرحبت بالعرض العراقي بالانسحاب من الكويت في مقابل الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة. ولكن ليس من الضروري أن يكون كبار المسئولين الأميركيين مقتنعين بعدالة ما يفعلون. ألمهم أن ينفذوا السياسة التي يخططها أعوان إسرائيل. وأحياناً يبلغ بهم الإحباط مبلغاً كبيراً, فيجاهرون بالتعبير عن إحباطهم إزاء التعنت الإسرائيلي, لكنهم سرعان ما يعودون إلى "صوابهم", ويعتذرون عما بدا منهم من "خطأ", ويطلبون الصفح, ويغالون في الخنوع لإسرائيل وأعوانها, كما حدث مع بوش ووزير خارجيته بيكر.

        فقبل حوالي عام من الغزو العراقي للكويت, ألقى وزير الخارجية جيمس بيكر خطابا أمام المؤتمر السنوي للَّجنة الأميركية~الإسرائيلية للعمل السياسي (وهي أقوى المنظمات الصهيونية في أميركا, والمعروفة اختصاراً بإيباك), انتقد فيه السياسات التوسعية للحكومة الإسرائيلية.[15] وقال: "بالنسبة لإسرائيل, حان الوقت الآن لتضع جانباً مرة واحدة وإلى الأبد حلمها غير الواقعي في إقامة إسرائيل الكبرى."[16]

        وبالطبع فإن الدنيا قامت ولم تقعد, ولم يستطع لا بيكر ولا بوش الصمود في وجه الضغوط الصهيونية, وانتهى بهما الحال بعد ذلك إلى الرضوخ للسياسة الإسرائيلية وحماية الاحتلال الإسرائيلي, وتدمير القدرات العراقية الاستراتيجية خدمة لإسرائيل. فكيف ردت إسرائيل وأعوانها على ذلك الجزء من خطاب جيمس بيكر؟

        تمثل رد حكومة شامير بالاستمرار في بناء المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة, خارقة بذلك القانون الدولي الذي يمنع قوى الاحتلال من تغيير الطبيعة السكانية للمناطق المحتلة. ولم يكن ذلك تحدياً للقانون الدولي وحسب, وإنما للسياسة الأميركية المعلنة (التي يتفق عليها الديمقراطيون والجمهوريون), التي تعارض السياسات التوسعية الإسرائيلية. فقد وصفت إدارة كارتر المستوطنات الإسرائيلية بأنها "غير شرعية." ووصفتها إدارتا ريغَن وبوش بأنها "عقبات أمام السلام."[17] وزاد بوش على ذلك بأن أعلن "بأن السياسة الخارجية للولايات المتحدة تقول بأننا لا نؤمن بأنه يجب أن يكون هناك مستوطنات جديدة في الضفة الغربية والقدس الشرقية."[18]

          وما كاد بوش ينطق بذلك, حتى انبرى له أعوان إسرائيل في الكونغرس يهاجمونه بشراسة غير معهودة على رئيس أميركي. كما أن الحكومة الإسرائيلية أصبحت أكثر تحدياً من ذي قبل. ففي 16 أكتوبر/تشرين أول 1989, رفض شامير خطة لبدء المفاوضات مع وفد فلسطيني منتخب. وقال إنه "لن يسعى لحل وسط مع الفلسطينيين, حتى لو كان ذلك يعني انهيار حكومته أو اندلاع صراع أكثر حدة مع الولايات المتحدة."[19]

          وخلال جلسة استماع عقدت في الكونغرس في 11 يونيو/حزيران 1990, ذكر أحد أشدّ مؤيدي إسرائيل, وهو ميل لافين (من ولاية كاليفورنيا), أن ملاحظات الرئيس بشأن المستوطنات والقدس قد أضرت بمسار السلام. عندها انفجر وزير الخارجية جيمس بيكر موجهاً حديثه للإسرائيليين وأعوانهم في أميركا, وقال: "عندما تصبحون جادين بشأن السلام, اتصلوا بنا هاتفياً. ورقم البيت الأبيض هو 1414-456-202-1."[20] على إثر ذلك, توقفت الاتصالات الرسمية بين الحكومة الأميركية والحكومة الإسرائيلية. لكن الحكومتين أبقيتا قناة اتصال غير رسمية بينهما كان يجلس على طرف منها دينيس روس ممثلاً لوزارة الخارجية الأميركية ومارتن إنديك ممثلاً للحكومة الإسرائيلية.[21] وكان ذلك مثال آخر على سيطرة أعوان إسرائيل على السياسة الخارجية الأميركية. وبقي الإثنان (روس وإنديك) يتمتعان بنفس النفوذ طيلة التسعينات, إلى أن استقال روس طواعية من عمله بوزارة الخارجية, وبقي إنديك سفيراً لأميركا في إسرائيل.[22]

        وقد دفع كل من بوش وبيكر ثمناً باهظاً نتيجة للموقف الشجاع الذي اتخذاه بمعارضة السياسات التوسعية الإسرائيلية علناً. فقد خسرا منصبيهما في عام 1992, على الرغم من الخدمات الخمس الكبيرة التي أدياها لإسرائيل. فأولاً, لقد بذلا جهدا كبيراً من أجل السماح لمئات الآلاف من اليهود الروس, والسوريين, والإثيوبيين بالهجرة إلى إسرائيل, ثم المساعدة في بناء مستوطنات لهم هناك. ثانياً, لقد نجحا في إلغاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3379, الصادر في عام 1975, والقاضي باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال التمييز العنصري, على الرغم من أن الأسباب التي صدر من أجلها ذلك القرار لا تزال موجودة.[23]  ثالثاً, لقد ساعدا إسرائيل في إعادة علاقاتها الدبلوماسية مع أربع وأربعين دولة, خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. والحقيقة أنه أصبح على الزعماء الجدد لدول أوروبا الشرقية أن يقوموا بإظهار الولاء والطاعة لإسرائيل, إذا كانوا يأملون في رضى أميركا عليهم. وكان أول شيء فعله العديد منهم بعد تسلمهم الحكم قيامهم بزيارة إسرائيل. رابعاً, عندما أصرت إدارة بوش على خيار الحرب لحل الأزمة العراقية~الكويتية, كان هدفها تدمير القدرات العسكرية العراقية, ومن ثم خدمة الاستراتيجية الإسرائيلية التي كانت تسعى لتحقيق ذلك. أخيراً, قامت إدارة بوش بإحضار أقطار المواجهة العربية إلى طاولة المفاوضات المباشرة في مؤتمر مدريد, الأمر الذي كان يعارضه العرب باستمرار. فالمفاوضات المباشرة تعني اعترافاً عملياً بإسرائيل, دون شروط مسبقة, ودون أي تنازلات إسرائيلية, الأمر الذي كان يسعى إليه الإسرائيليون لأكثر من أربعين عاماً.[24]     

 

رفض المزيد من المبادرات

 

        وقد تم رفض المبادرة السلمية الثالثة أيضاً بحجة "الربط." وعرضت تلك المبادرة أثناء اجتماع بين بوش وغورباتشيف, عقد في 9 سبتمبر/أيلول 1990. فقد كان السوفيت يعرفون أنهم خسروا الحرب الباردة, وأنه لم يعد بإمكانهم مساندة دول العالم الثالث. لذلك, فإن كل ما كانوا يستطيعون فعله لم يتعد عرض مبادرات السلام, التي كانت ترفض واحدة تلو الأخرى. وخلال ذلك الاجتماع, وضع الرئيس السوفيتي, غورباتشيف, على مائدة المباحثات عرضاً لإنهاء الأزمة سلمياً. وطبقاً لتلك المبادرة, عرض العراق السماح للأجانب (الذين كان يسميهم الإعلام الغربي "المحتجزين") بمغادرة العراق, كما عرض الإنسحاب من الكويت, واستعادة الحكومة الكويتية. وفي المقابل, تعد الولايات المتحدة (مجرد وعد) بألاّ تهاجم العراق, وأن تنقص حجم قواتها في المنطقة, لتحل محلها قوة حفظ سلام عربية. ويلي ذلك اتفاق على مؤتمر دولي حول الشرق الأوسط. لكن الرئيس بوش رفض تلك المبادرة أيضا بحجة الربط.[25]

          وعبر سكوكروفت عن ذلك الموقف الأميركي قائلاً: "بالنسبة لي, فإن حفظ ماء الوجه, أو الإنسحاب الجزئي, أو الوعد بعدم الهجوم, وأهم من ذلك كله الربط مع الشأن العربي~الإسرائيلي, سيغير الطريق الذي كنا نسير عليه بشكل جوهري." وهكذا, تمت مناقشة مبادرة غورباتشيف بشكل مقتضب, ثم رفضت من قبل الرئيس ومستشاريه برنت سكوكروفت, وجيمس بيكر, وجون سنونو, ودينيس روس, وريتشارد هاس, وكوندي رايس (التي اصبحت مستشارة لشئون القومي لبوش الأصغر).[26]

        ولعب دينيس روس دوراً رئيساً في إقناع وزير الخارجية بيكر, ومن خلاله الرئيس بوش, برفض مقولة "الربط." وجن جنونه عندما أحس ذات مرة أن بيكر كان على وشك أن يناقشها. وكان "ملتهباً" إلى أقصى درجة ممكنة, فخاطب بيكر قائلاً: "لا يمكنك أن تفعل ذلك. ولو فعلت, فإنك ستدمر كل ما نحاول أن نفعله. فسيبدو صدام وكأنه أنجز للفلسطينيين ما عجز المعتدلون العرب عن إنجازه. ولو سلَّمنا بمقولة الربط, فإنه سيعلن أنه قد انتصر." كان ذلك كافياً لإقناع بيكر, الذي قام بدوره بإقناع بوش, مستخدما نفس النغمة الغاضبة التي سمعها من دينيس روس.

فعندما طلب بيكر من بوش ألاّ يهتم بفكرة المؤتمر الدولي, أجابه قائلاً: "حسناً, لا بد لي أن أهتم بها, فقد وضعت كل هؤلاء الجنود من أولادنا هناك. لم يفعل ذلك أحد من قبلي, لكني فعلتها. لذلك, ينبغي عليًّ أن أبحث في كل خطوة, حتى أتأكد من أنني لا أعرِّض حياتهم للخطر بدون مبرر. ولو تمكنت من إخراجهم من هناك بدون قتال, فسأفعل." وكانت تلك اللحظة فرصة ذهبية كان ينتظرها العربي~الأميركي جون سنونو, ليكسر الصمت ويحاول تجنب إراقة الدم العربي. فقال: "ربما يمكننا أن نضع إشارة إلى مؤتمر دولي هناك (في ردنا على المبادرة)." ولكنه ما كاد يفعل حتى انبرى له جيمس بيكر ليخرسه في الحال قائلاً له: "أخرج منها" (يا جون). في تلك اللحظة, علم الرئيس أن وزير خارجيته كان ملتزماً بموقف العداء لمقولة الربط. ونتيجة لذلك, فإنه استسلم قائلاً: "أنظر يا جيمي, إذا كان باستطاعتك أن تصدر (مع السوفيت) بياناً مشتركاً بدونها (أي بدون الإشارة للمؤتمر الدولي), فلا بأس."[27]

وانفرد دينيس روس بنظيره السوفيتي, سيرغي تاراشينكو, لصياغة البيان الذي جاء موافقا للسياسة الأميركية (أي لموقف دينيس روس من مقولة الربط). فلم يشر البيان إلى أي "ربط," لكنه (في لفتة مجاملة لغورباتشيف) أشار إلى أنه من الضروري العمل بنشاط لحل الصراعات الباقية في الشرق الأوسط والخليج. وقد عبر بوش عن سعادته لأن البيان "قد تجنب محاولة أخرى لربط الأزمة بإسرائيل."[28] 

        وهكذا, فإن إدارة بوش قد رفضت هذه المبادرة السوفيتية, التي كان يمكن أن تؤدي إلى حل الصراع بطريقة سلمية. وقد فضلت إدارة بوش خوض حرب يتم خلالها تدمير مقدرات العراق على أن تعد بمعالجة الإحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية. واستمر ذلك الموقف حتى بعد أن اتضحت إمكانية حدوث خسائر في الأرواح, قدرت بالآلاف في حالة استخدام العراق للأسلحة الكيميائية والجرثومية.[29] وقد تجلى ذلك في استعداد إدارة بوش للتضحية بأرواح آلاف الجنود الأميركيين من أجل مساعدة إسرائيل في الاستمرار باحتلالها للأراضي العربية. ولما أصبحت تلك هي سياسة إدارة بوش, أصبح الرفض (بدم بارد) هو ردها على مبادرات السلام التي كانت تعرض عليها بعد ذلك.

        وهكذا, رفضت مبادرة سوفيتية أخرى بحجة "الربط" أيضاً. ففي الرابع والخامس من أكتوبر/تشرين أول 1990, تمخضت زيارة بريماكوف إلى بغداد عن مبادرة عراقية جديدة لحل الأزمة. فقد عرض العراق الانسحاب من الكويت في مقابل الحصول على مدخل أرضي للخليج العربي ووعد بمعالجة مشكلة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية. وبعد ذلك بيومين, أي في 7 أكتوبر/تشرين أول, أصدر الرئيس بوش تعليماته إلى وزير الخارجية بيكر ليعلن رفض الإدارة للمبادرة.[30]

        وأصبح الرفض التلقائي لمبادرات السلام بحجة "الربط" السمة المميزة لإدارة بوش والتي دمغتها بوصمة استعمال معايير مختلفة في تعاملها مع نفس المشكلات, في علاقاتها الدولية. وقد جعلت تلك السمة من الولايات المتحدة حامية للعدوان والاحتلال الإسرائيليين. وعندما اضطرتها الظروف لتغير قليلاً من تلك الصورة التي ارتضتها لنفسها, انعكس ذلك سلبياً على الرئيس بوش. ففي 8 أكتوبر/تشرين أول 1990, قامت القوات الإسرائيلية بإطلاق النار على المصلين في باحة المسجد الأقصى المبارك.[31] فاستشهد 21 وجرح حوالي 150 منهم. ولم يجد بوش بداً من الموافقة على قرار لمجلس الأمن الدولي يدين إسرائيل على الإفراط في استخدام القوة, ويدعو إلى تشكيل لجنة تحقيق تبحث في كيفية حماية الفلسطينيين في الأراضي المحتلة. وردت حكومة شامير على ذلك برفض التعاون مع اللجنة. أما في الولايات المتحدة, فإن مؤيدي حكومة شامير من بين اليهود الأميركيين قد عبروا عن دهشتهم وغضبهم من موقف إدارة بوش التي سمحت بإصدار ذلك القرار. وقد أدى ذلك الموقف, بالإضافة إلى رفض بوش منح شامير ضمانات القروض التي طلبها لبناء مستوطنات جديدة في الضفة الغربية (فيما بعد), إلى معارضتهم الفاعلة لإعادة انتخابه في عام 1992.[32]

        وتبع ذلك عدة مبادرات سلام أخرى, كلها حاولت إقناع إدارة بوش السماح للعراق بالانسحاب من الكويت بدون عقوبات,أو حتى في مقابل وعود بالنظر في مشكلة الاحتلال الإسرائيلي فيما بعد, ولكن بدون جدوى. فخلال الاجتماع الذي عقد بين بوش وغورباتشيف في 19 نوفمبر/تشرين ثاني, أحضر الرئيس السوفيتي مبادرة سلام أخرى من بريماكوف. وقال إن العراق يوافق على الانسحاب من الكويت في مقابل الحصول على مدخل أرضي إلى الخليج العربي. وعلى الرغم من أن هذه المبادرة لم تتضمن أي "ربط" (مع مشكلة الاحتلال الإسرائيلي) هذه المرة, إلاّ أن إدارة بوش قد رفضتها أيضاً لأن الانسحاب "كان مربوطا بشرط."[33]

        وفي 29 نوفمبر/تشرين ثاني, ومباشرة بعد صدور قرار مجلس الأمن الذي أجاز استعمال القوة ضد العراق, اجتمع وزراء خارجية الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن للاحتفال بالمناسبة. وخلال ذلك الاجتماع, طرح وزير الخارجية السوفيتي (إدوارد شيفرنادزه) مبادرة سلمية جديدة. فاقترح إعطاء العراق تأكيدات بأنه لن يتعرض للهجوم أثناء الانسحاب. وأيده في ذلك وزراء خارجية بريطانيا وفرنسا والصين, على الفور. وفوق ذلك, فإنهم أبدوا استعدادهم لإرسال تأكيدات بهذا المعنى للعراق جماعياً وفردياً. ومع ذلك, أصر وزير الخارجية الأميركي بيكر وكذلك الرئيس بوش على رفض هذه المبادرة أيضاً, كما فعلا بسابقاتها. وصمم كلاهما على عدم ال&#