الفصل التاسع

أم المعارك

 

        وصف الرئيس العراقي صدام حسين حرب الخليج التي وقعت في عام 1991, بأنها ستكون "أم المعارك." وقد كان دقيقاً في ذلك الوصف, فكانت أم المعارك بحق, بالمعايير الإقليمية والدولية. فقد كانت الحرب الوحيدة في التاريخ, التي قاتل فيها تحالف مكون من 31 دولة,[1] ضد بلد صغير من بلدان العالم الثالث. وكان التحالف بقيادة الدول الإستعمارية الثلاث الأقوى في العالم: الولايات المتحدة, وبريطانيا, وفرنسا, وبتواطؤ الاتحاد السوفيتي والصين. كما وضعت الحكومات الخليجية ثرواتها النفطية تحت تصرف قيادة التحالف الأميركية, من أجل تمويل الحرب مهما بلغت التكاليف. وكانت النتيجة أن الحرب لم تكن إلاّ مذبحة للعراقيين, وتدميراً لمقدراتهم وإنجازاتهم التي صنعوها على مدى أجيال. ومع ذلك, لا زال العراق صامداً بعد أن لملم جراحه وبدأ في إعادة البناء بقدراته الذاتية, رغم الحصار الجائر الذي استمر بدون مبرر لأكثر من عشر سنوات بعد انتهاء الحرب.

        ولم يتوقف التدمير الذي تعرَّض له العراق على الأسلحة والصناعات العسكرية, وإنما امتد إلى صُلب الاقتصاد العراقي. وكانت الخسائر في الأرواح بين العسكريين والمدنيين هائلة, حيث استشهد مئات الآلاف منهم. وقد زادت نسبة الخسائر في الأرواح بين العسكريين العراقيين على مثيلاتها بين العسكريين في الحربين العالميتين الأولى والثانية.[2] وهكذا, فإن أم المعارك كانت بالفعل مثالاً على الإسراف في القتل والتدمير. ولذلك, فإن هذا الفصل سيعنى بتحليل ذلك الإسراف, خاصة فيما يتعلق بأهداف الحرب, وتكاليفها, وبحجم القتل والتدمير فيها.

 

أهداف الحرب

 

        لم تمضِ سوى أيام قليلة على الغزو العراقي للكويت, عندما قررت إدارة بوش اللجوء إلى خيار الحرب, كما مرَّ في الفصل السابع. وقد تم تخطيط الحرب طبقاً للمبدأ العسكري الأميركي المعروف "بالمعركة الأرض~جوية." ويركز هذا المبدأ على استخدام جميع الوسائل المتاحة من أسلحة نووية إلى حرب نفسية, من أجل إلحاق الهزيمة بالعدو. وقد تم تطبيقه في كل من غرينادا في عام 1983, وبنما في عام 1989. ويتمثل العنصر الرئيس في هذا المبدأ في استخدام حجم هائل من القوة لتحقيق نصر سريع.[3]

        فبحلول 25 أغسطس/آب 1990, تم إنجاز خطة أميركية للحرب من أربع مراحل. واشتملت الخطة على حملة جوية استراتيجية ضد العراق ذاته, وحملة جوية ضد القوات العراقية في الكويت, وتدمير قوات الحرس الجمهوري العراقية في جنوب العراق, وهجوم بري لإخراج القوات العراقية من الكويت.[4]

        وتستحق المرحلة الأولى من خطة الحرب اهتماماً خاصاً, لأنها استهدفت ضرب منشآت القيادة العراقية, وأنظمة الاتصالات, ومنشآت الإنتاج والتخزين, وكذلك شبكات الدفاع الجوي.[5] وفعلياً, فإن الحملة الجوية قد استهدفت تدمير ما سمي "بمراكز الجاذبية" العراقية, التي شملت البنى التحتية العسكرية, والصناعية, والمواصلاتية في البلاد. كما استهدفت تدمير المواقع الاقتصادية الأساسية مثل محطات توليد الطاقة, والمنشآت النفطية, والطرق, والجسور.[6] وهذا يعني أن تدمير مقدرات العراق كان هدفاً بحد ذاته. وهكذا, فإن إخراج القوات العراقية من الكويت لم يكن هو الهدف الحقيقي من وراء الحرب. فقد كان يمكن إنجاز ذلك بالمبادرات السلمية أو بالعقوبات الاقتصادية. لكن تدمير العراق كقوة إقليمية من شأنه أن يسمح للولايات المتحدة بالسيطرة على النفط العربي, وبحماية أمن إسرائيل, وبإزاحة تهديد محتمل لنفوذها في الخليج العربي, كما أنه يؤكد السيطرة الأميركية العالمية بصفة عامة.[7]

 

 

 

 

الحملة الجوية

 

          على إثر نجاح الولايات المتحدة وحليفاتها في استصدار القرار رقم 678, الذي أجاز استخدام القوة, أصدر مجلس الأمن الدولي إنذاراً للعراق بسحب قواته من الكويت قبل 15 يناير/كانون ثاني 1991. ولمَّا لم يحدث ذلك, شنت قوات التحالف حملتها الجوية على العراق بعد مرور 24 ساعة على انتهاء مدة الإنذار, أي في 17 يناير/كانون ثاني بتوقيت شرق الولايات المتحدة, واستمرت تلك الحملة مدة 38 يوماً دون توقف.[8]

          ولكي يحدث التدمير الذي تم التخطيط له, فإن العراق قد تعرض للقصف بعدد هائل من القنابل والصواريخ, التي بلغ وزنها حوالي 88,500 طناً.[9] وكان ذلك يعادل 7.5 قنبلة ذرية من حجم القنبلة التي ألقيت على هيروشيما في نهاية الحرب العالمية الثانية.[10] وقد بلغ عدد المهمات الجوية 108,043,[11] نفذت القوات الجوية الأميركية 83.6 بالمائة منها, بينما نفذت السعودية 6.5 بالمائة, ونفذت بريطانيا 5.1 بالمائة, وقامت فرنسا بتنفيذ 2.1 بالمائة من تلك المهمات.[12] وقد بلغ عدد القوات الأميركية 540,331 من مجمل قوات التحالف التي حضرت إلى السعودية والتي بلغت 630,282, أي بنسبة 86 بالمائة من تلك القوات. وعلى ذلك, كانت تلك الحرب أميركية بصفة أساسية. ونتج عن ذلك أن القوات الأميركية قد أصيبت بمعظم الخسائر في الأرواح من بين قوات التحالف, والتي بلغت 146 قتيلاً و 338 جريحاً, وتبعتها السعودية التي بلغت خسائرها 38 قتيلاً و 175 جريحاً.[13] وهكذا, فإن الحرب بصفة أساسية قد خططت ونفذت بقوات وأسلحة أميركية.

 

الصواريخ العراقية والضغوط الإسرائيلية

 

        لقد سيطرت القوات الجوية للتحالف على أرض المعركة منذ اليوم الأول للحرب. وتمثل الرد العراقي الهجومي بصفة أساسية بإطلاق 88 صاروخ, كان 42 منها موجهاً إلى إسرائيل, و 43 إلى القواعد الأميركية في السعودية, وثلاثة إلى القاعدة الأميركية في البحرين.[14] وبينما اعتبر القادة العسكريون للتحالف هذه الصواريخ بأنها غير هامة من الناحية العسكرية, نظر القادة السياسيون إليها على أنها خطيرة جداً لأن حوالي نصفها قد استهدف إسرائيل.

        وكانت الصواريخ العراقية قد طُورت من صاروخ سكود الروسي, الذي كان مداه الأصلي يصل إلى 200 ميل. وقد تمكن العراقيون في البداية من إنتاج نوعين متطورين من الصواريخ, هما: الحسين الذي يصل مداه إلى حوالي 450 ميلاً, والعبَّاس الذي يصل مداه إلى حوالي 600 ميل.[15] ثم تم إنتاج صاروخ متطور ثالث هو العابد, الذي بلغ مداه حوالي ألفي كيلومتر, أي 1243 ميلاً.[16]

وكان خوف قادة التحالف يتركز في احتمال قيام العراق باستخدام تلك الصواريخ لحمل الأسلحة الكيميائية والجرثومية خلال الحرب. وعلى الرغم من أن ذلك لم يحدث, إلاّ أنَّ وزير الدفاع الأميركي (دِك شيني) ورئيس هيئة الأركان المشتركة (الفريق باول) كانا يفكران باستخدام الأسلحة الذرية التكتيكية إذا ما استُخدمت الصواريخ العراقية لذلك الغرض. وكان لدى الإسرائيليين أيضاً نفس النوايا تجاه العراق. فقد قام إيهود باراك, الذي كان نائباً لرئيس هيئة الأركان الإسرائيلي, بنقل رسالة إلى إدارة بوش مؤداها أن إسرائيل كانت مستعدة لاستخدام الأسلحة الذرية في حالة استخدام العراق للأسلحة الكيميائية.[17] وأبعد من ذلك, كانت إدارة بوش تنوي تدمير السدود العراقية المبنية على نهري دجلة والفرات, بهدف إغراق بغداد بالفيضان.[18] ولو حدث ذلك لأدى لمقتل عدد لا يحصى من المدنيين. وقد قررت القيادة العراقية عدم استخدام الأسلحة الكيميائية خلال الحرب, على الرغم من أنه كان هناك 30 رأساً محملاً بتلك الأسلحة وجاهزة للاستخدام مع صواريخ الحسين.[19] وقد أدى ذلك القرار العراقي الحكيم إلى حرمان إدارة بوش وحلفائها في إسرائيل من تنفيذ تهديداتهم بالتدمير الشامل للعراق والمنطقة العربية ككل.

ورداً على الهجمات الصاروخية العراقية, تزايدت الضغوط الإسرائيلية على إدارة بوش. فقد أراد الإسرائيليون المشاركة المباشرة في الحملة الجوية على العراق. لكن إدارة بوش أقنعتهم بالإقلاع عن تلك الفكرة حتى يمكن الحفاظ على تماسك التحالف واستمراره. وبالنتيجة, فإن عدم ردهم المباشر قد مكن قوات التحالف من أن تنجز لهم "هدفهم الاستراتيجي الأسمى, ألا وهو تدمير القدرات العسكرية العراقية."[20] لكن ذلك لم يكن كافياً بالنسبة للإسرائيليين. لذلك, قام جيمس بيكر بإجراء مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي (شامير), توسل إليه خلالها قائلاً: "لا تجعلوا الأمر أكثر صعوبة علينا لننجز لكم مهمتكم."[21] وهذا اعتراف صريح من بيكر بأن قيام قوات التحالف بتدمير قدرات العراق كان يتم لمصلحة إسرائيل.

ولم يكن كل ذلك كافياً لإرضاء الحكومة الإسرائيلية, التي طلبت أن تقوم إدارة بوش باطلاع وزير دفاعها (أرينز) على نتائج الحملة الجوية. وعند حضور هذا إلى واشنطن في بداية فبراير/شباط 1991, قدَّم كل من شيني وباول تقاريرهما له عن كيفية سير الحملة الجوية. وكانا في ذلك وكأنهما يؤديان التمام لرئيسهما في العمل, الأمر الذي يلقي ضوءا آخر على طبيعة العلاقات الإسرائيلية~الأميركية. وقد عبَّر أرينز عن غطرسة القوة التي يشعر بها حتى أمام الرئيس بوش, ولم يتورع عن التعبير عن اعتقاده بأن إسرائيل يمكن أن تقوم بمهمة أفضل في تدمير الصواريخ العراقية, موحياً بأن القوات الأميركية عاجزة عن ذلك. عندها, شعر الرئيس بوش بالغضب من إهانات أرينز, وكتب في مذكراته بأن المتصلبين الإسرائيليين لم يقدموا سوى القليل من الشكر على ما كانت إدارته تحاول إنجازه لهم.[22] وبذلك, فإن بوش, مثله كمثل بيكر, قد اعترف هو الآخر بأن تدمير مقدرات العراق كان يتم لمصلحة إسرائيل.

وقد أصرَّ الإسرائيليون على تمكينهم من الاستقبال المباشر للمعلومات الاستخبارية من الأقمار الصناعية الأميركية, وذلك حتى يكون لديهم معلومات فورية عن تحرك القوات العراقية. وبالطبع, أذعنت إدارة بوش ومكنت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من الحصول على نفس المعلومات المتوفرة لدى العسكريين الأميركيين.[23]

وبالإضافة إلى ذلك, طلب الإسرائيليون أن تقوم القيادة المركزية في الرياض باستقبال فريق من ضباطهم حتى يشاركوا في صنع القرارات التي تتخذها. وقد أدى الرفض السعودي لذلك الطلب إلى قيام القيادة المركزية بطمأنة الإسرائيليين عن طريق إخراج ثلث طائرات التحالف من الحملة الجوية وتحويلها إلى غرب العراق, في محاولة لتصيد منصات إطلاق الصواريخ العراقية, خلال ست دقائق من استعمالها. كما حاول الإسرائيليون الحصول على موافقة الأميركيين للسماح لهم بأن يقوموا بتدمير بعض المواقع العراقية بأنفسهم, والتي دمرتها طائرات التحالف من قبل. وبعد جهد طويل تم إقناعهم بالإقلاع عن تلك المحاولة لأن قوات التحالف كانت تقوم بالمهمة نيابة عنهم. وبالرغم من ذلك كله, استمر أعوان إسرائيل في واشنطن بممارسة ضغوطهم على إدارة بوش. وتمثل أولئك في السياسيين المتشددين الذين كانوا يضايقون شيني وباول, كما ذكر شوارزكوف.[24]

ومهما قيل عن الصواريخ العراقية, فقد كان لها أهمية بالغة في الصراع العربي~الإسرائيلي. فلأول مرة في تاريخ الصراع, تمكن قطر عربي من تطوير واستخدام تلك الأسلحة الاستراتيجية ليضرب بها العمق الإسرائيلي. وقد حدث ذلك على الرغم من المحاولات التي لم تتوقف من جانب أعوان إسرائيل للمحافظة على استمرار الاحتكار الإسرائيلي لهذه الأسلحة في المنطقة. وقبل الحرب, كانت إسرائيل تقوم بالغارات الجوية والبرية على عدد كبير من المدن والقرى العربية في فلسطين المحتلة, ومصر, والعراق, والأردن, ولبنان, وسوريا, وحتى تونس. وكان الرد العربي على تلك الهجمات لا يزيد على إطلاق بعض صواريخ الكاتيوشا على المستعمرات الحدودية الإسرائيلية, وبقيت المراكز السكانية الإسرائيلية لا تطالها الأسلحة العربية حتى أثناء حربي عام 1967 وعام 1973.[25]

          لكن الصواريخ العراقية وصلت إلى المدن الإسرائيلية, فأنهت الأسطورة التي نسجتها إسرائيل حول نفسها والقائلة باستحالة اختراق العرب لمجالها الجوي والوصول إلى عمقها السكاني. وأثبتت الصواريخ العراقية أن مقولة "إسرائيل التي لا تقهر" لم تكن إلاّ أسطورة خرافية قصد بها ثني العرب عن التفكير في مهاجمة إسرائيل. صحيح أن الهجمات الصاروخية العراقية لم تتسبب في خسائر تذكر في الأرواح أو المباني, لكن المهم هو المغزى والرسالة التي نقلتها للإسرائيليين. لقد بينت لهم أن العرب قد أصبحوا قادرين على الوصول لهم أينما كانوا, وإن كل ما جمعوه وامتلكوه من أسلحة وتقنية لم يعد قادراً على حمايتهم. والأخطر من ذلك أنهم قد أدركوا أنه كان بالإمكان لتلك الصواريخ أن تكون رؤوسها محملة بالأسلحة الكيميائية أو الجرثومية. وكان لذلك الإدراك تأثيراً نفسياً شديداً على الإسرائيليين.[26] وربما كانت تلك الحقيقة عاملاً رئيساً أسهم في إقناع حكومة شامير الليكودية المتطرفة بأن تقبل بالحضور إلى مؤتمر مدريد, بعد ذلك.[27] وربما أسهمت هجمات الصواريخ العراقية, بالإضافة للانتفاضة الفلسطينية , في إقناع الإسرائيليين بأن أمنهم لن يتحقق إلاّ من خلال سلام عادل في المنطقة, كما اعترف بذلك شمعون بيرِس.[28]

الحرب البرِّية

 

        كانت قوات التحالف تتمتع بتفوق جوي كامل طيلة فترة الحملة الجوية, الأمر الذي كان يعني أن تلك الحملة قد نجحت في تحقيق أهدافها. وإثباتاً على ذلك أن العراق قد قدم عدة مبادرات وعروض للانسحاب بدون شروط. وعلى الرغم من ذلك, فإن تلك العروض قد تم رفضها جميعاً, حتى لا يتم تمكين القوات العراقية من الانسحاب. فلم تكن إدارة بوش قانعة بحجم التدمير الذي ألحقته بالعراق وبالقوات العراقية في الكويت. والحقيقة أنها لم تكن تريد "إخراج تلك القوات من الكويت," وإنما كانت تريد تدميرها هناك. لذلك السبب, أمر الرئيس بوش بشن الحرب البرية التي لم تكن ضرورية أبداً. وقد أشار شوارزكوف إلى ذلك في كتابه عدة مرات قائلاً بأن الهدف الرئيس للحرب البرية كان تدمير القوات العراقية حتى لا تستخدم مرَّة أخرى.[29]

        وقد عرض العراق خمس مبادرات رئيسة على الأقل للانسحاب قبل الحرب البرية, قدمت من خلال الوساطة السوفيتية, لكن إدارة بوش رفضتها جميعاً. وقد قام وزير الخارجية السوفيتي بسميرتنخ بتقديم المبادرة الأولى لجيمس بيكر خلال اجتماعهما الذي عقد في 26 يناير/كانون ثاني 1991. وقد رفضها بيكر لأنها تتيح للعراقيين (كما قال) سحب قواتهم سليمة من الكويت.[30]

          وبعد ذلك بيومين, أي في 28 يناير, وافق بيكر على إصدار بيانين منفصلين مع السوفيت: واحد بشأن أزمة الخليج, والآخر بشأن الصراع العربي~الإسرائيلي. وقد أغضبت موافقته على إصدار البيان الثاني كلاً من الرئيس بوش ومستشاره للأمن القومي لأنهما رأيا فيه "ربطاً." واعترف بيكر بأنها كانت خطأ غير مقصود, ولم تكن تغييرا في السياسة الأميركية.[31]

        وكانت المحاولة السوفيتية الثالثة لتجنب الحرب البرية في 10 فبراير/شباط 1991. ففي ذلك التاريخ أعلن العراق عن موافقته على اقتراح بريماكوف (الذي كان في بغداد) القاضي بإعلانه قبول الانسحاب خلال مدة محددة, في مقابل وقف إطلاق النار. وكان رد بوش على ذلك تهكمياً, إذ استخدم في التعبير عن رفضه للمبادرة عبارة سوقية معروفة.[32]

        وكانت المبادرة الرابعة في 18 فبراير/شباط, خلال زيارة وزير الخارجية العراقي طارق عزيز لموسكو. في تلك المبادرة, وافق العراق على البدء في سحب قواته بدون شروط في اليوم التالي لوقف إطلاق النار, في مقابل عدم مهاجمتها أثناء الانسحاب. وقد رفضها بوش أيضاً لأنها تشكل حلاً غير مقبول بالنسبة له.[33]

        وكانت المبادرة الخامسة في 22 فبراير 1991. وقد طرحت عندما أجرى الرئيس غورباتشيف مكالمة هاتفية مع الرئيس بوش ليخبره فيها بأن العراق قد وافق على الشرط الأميركي بالانسحاب الفوري وغير المشروط لقواته, على أن يستكمل خلال ثلاثة أسابيع. كما أخبره بأن العراق قد وافق أيضاً على عدم ربط الانسحاب بالصراع العربي~الإسرائيلي, ولكنه يطلب إلغاء قرارات الأمم المتحدة. وقد رفض بوش المبادرة بسبب الشرط الأخير, وزاد على ذلك بأنْ أمر وزير إعلامه (مارلين فتزووتر) بإصدار الإنذار الأخير للعراق. وجاء في الإنذار أنه لكي يتمكن العراقيون من تجنب الحرب البرية, فإن عليهم أن يوافقوا على جميع القرارات التي أصدرها مجلس الأمن بشأن الأزمة, وأن يبدأوا الانسحاب الشامل بحلول ظهر اليوم التالي, 23 فبراير/شباط 1991 بتوقيت نيويورك, وأن يكملوا انسحابهم خلال أُسبوع. وفي المقابل, وعدت الولايات المتحدة "بألاّ تطلق النار على القوات المنسحبة."[34]

        وكان من المستحيل على العراقيين أن يفعلوا ذلك. فلم يكن بإمكان القيادة العراقية الاتصال السريع بقواتها في الكويت بعد تدمير معظم وسائل الاتصالات أثناء الحملة الجوية. وحتى لو تمكنت من ذلك, كان من المستحيل إنجاز الانسحاب في خلال أُسبوع. وفعلياً, لم يكن هناك وقت كاف للقيادة العراقية حتى لتعلن ردها على ذلك الإنذار. وهكذا بدأت الحرب البرية في 24 فبراير/شباط 1991, واستمرت حتى الساعة الثامنة صباحاً من يوم 28 فبراير/شباط 1991, على الرغم من بدء الانسحاب العراقي الذي تم إعلانه رسمياً في اليوم التالي, أي عند منتصف ليلة 25 فبراير/شباط.[35]

        وحتى يتم إنجاز الهدف الرئيس للحرب البرية, ألا وهو تدمير القوات العراقية, كانت خطتها تقضي بقيام الفيلق الأميركي السابع بتطويق وتدمير وحدات الحرس الجمهوري. كما كانت تقضي بقيام الفيلق الثامن عشر المحمول جواً بإغلاق طريق خروج القوات العراقية عند نهر الفرات.[36] وكان الهدف من ذلك التأكد من "عزل القوات العراقية المنسحبة وقتلها."[37]

        وقد كان القادة العسكريون لقوات التحالف, وعلى رأسهم الفريق شوارزكوف, يعلمون أن الحرب البرية غير ضرورية لأن الحملة الجوية قد حققت الهدف عن طريق إلحاق خسائر فادحة في صفوف القوات العراقية في الكويت. لذلك, فإنهم لم يطلبوها, وزادوا على ذلك بالتعبير عن غضبهم إزاء إصرار الزعماء السياسيين عليها. وقد وصف شوارزكوف شعوره عندما أحس بأنه كان يتم دفعه لشن الحرب البرية, فقال:

كانت زيادة الضغط عليَّ لشن الحرب البرية مبكراً تدفعني للجنون. كان بإمكاني أن أتصور ما كان يجري بالنسبة لشيني وباول اللذين وقعا في الوسط بين الطرفين (أي بين القادة العسكريين الميدانيين من ناحية والسياسيين من أعوان إسرائيل من ناحية أخرى - المؤلف). فقد كانت هناك مجموعة من صقور الحرب في واشنطن, الذين لم يهدأ لهم بال حتى نقوم بمعاقبة صدام (كذا!). وعلى الرغم من أننا قد قصفنا العراق بالقنابل لأكثر من شهر, فإن ذلك لم يكن كافياً بالنسبة لهم. ويبدو أنهم قد شاهدوا جون وين في فيلم القبعات الخضراء, وكذلك شريطي (فلمي) رامبو وباتون, وبعدها أصبح من السهل عليهم أن يضربوا بقبضاتهم على مكاتبهم ويقسموا بالله أن يذهبوا إلى هناك (إلى أرض المعركة) ليركلوا مؤخرات (الأعداء)."[38]

        وقد أشار شوارزكوف أيضاً إلى أن صقور الحرب هؤلاء في واشنطن,[39] وليس القادة العسكريون في القيادة المركزية, هم الذين كانوا يصرُّون على عدم إعطاء العراقيين أية فرصة للانسحاب من الكويت وهم على قيد الحياة. فعندما عرض العراق الانسحاب خلال ثلاثة أسابيع, رفض بوش ذلك وعرض أسبوعاً واحداً فقط. وكان الهدف واضحا وهو عدم إعطاء الجنود العراقيين فرصة للنجاة بأرواحهم. وكان شوارزكوف يعلم أن ذلك معناه إزهاق أرواح أكثر من خمسين ألف آخرين من الجنود العراقيين. لذلك, فإنه حاول إقناع باول بأن التحالف قد حقق أهدافه وأنه لم تكن هناك حاجة لمزيد من القتل.[40] وحاول باول, بدوره, مع الرئيس بوش لإقناعه بالسماح للجن&#