الفصل الثالث

التمييز ضد المهاجرين[1]

"وَالَّذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ وَالإِيمَنَ مِن قَبلِهِم يُحِبُّونَ مَن هَاجَرَ إِلَيهِم." الحشر-9.

           

        لقد أدت حرب الخليج إلى إنقاص عدد الفلسطينيين في الكويت من حوالي 450,000 في عام 1990 إلى أقل من 30,000 في عام 1999.  فقد استغل الكويتيون ملابسات الأزمة والحرب للتخلص منهم, واستعملوا لتحقيق ذلك حملة عنيفة ومنظمة أدت في النهاية للتطهير العرقي للفلسطينيين من الكويت. وكانت الذريعة التي روجها الكويتيون لتبرير فظائعهم أن القيادة الفلسطينية قد ساندت العراق أثناء الأزمة (أنظر التفاصيل في الفصل العاشر).

        والحقيقة أن طرد الفلسطينيين من الكويت له أسباب عديدة سابقة للأزمة العراقية~الكويتية, وبالتالي سابقة للتأييد الفلسطيني للعراق. فابتداء من أوائل الثمانينات من القرن العشرين, أصبح التخلص من الجالية الفلسطينية هدفاً للحكومة الكويتية, وذلك بعد أن أصبحت أكبر جاليات المهاجرين في البلاد. فقامت الحكومة بتبني عدة إجراءات من شأنها التضييق على الفلسطينيين وبقية المهاجرين, حتى تكون إقامتهم في البلاد مؤقتة ولا يفكرون في الاستقرار الدائم فيها. فأخذت تعدل قوانين الهجرة بصفة مستمرة حتى جعلت من شبه المستحيل للمهاجرين أن يحصلوا على الإقامة الدائمة والجنسية. كذلك اتبعت سياسات تمييزية ضد المهاجرين في التشغيل والأجور وملكية العقارات, أدت في النهاية إلى فصل الكويتيين عن المهاجرين والى تقليص التفاعل الاجتماعي بين الفئتين وزيادة التباعد بينهما. وتجلى ذلك التباعد الاجتماعي في ندرة التزاوج بين المهاجرين العرب (خاصة الفلسطينيين منهم) والكويتيين على الرغم من أنهم ينتمون جميعاً إلى عنصر واحد ويتكلمون بلغة واحدة ويدين معظمهم بنفس الدين.

        أما أهم ما تمخضت عنه تلك السياسات التمييزية الكويتية, فإنها أوجدت تعريفاً جديداً للعرقية يشتمل على الفروق في الجنسية بالإضافة إلى الفروق التقليدية المعروفة في اللغة والدين والمنشأ.[2] وهكذا, يمكن القول بأن الهوية العرقية يمكن أن تنشأ بناء على التشابه في الاستمتاع بالمزايا التي توفرها الجنسية لحامليها من المواطنين, بالمقارنة مع ما تمنعها عن غيرهم من سكان بلد من البلدان. وبناء عليه, فان إحدى الجماعات البشرية, كالمواطنين في حالة الكويت, يمكن أن تلجأ "للتطهير العرقي" من أجل أن تحتفظ بمثل تلك الامتيازات لها وحدها, وتنكرها على غيرها من الجماعات السكانية. كذلك فان السياسات التمييزية الكويتية ضد المهاجرين قد تمخضت عن نتيجة أخرى تمثلت في أن التنافس على الثروات يمكن أن يلغي, أو يحيِّد, العوامل التقليدية التي توحد الجماعات مثل العنصر والدين واللغة. فببساطة شديدة, يمكن تفسير ما فعله الكويتيون بالفلسطينيين وباقي المهاجرين على أنه محاولة قصد منها إبعادهم عن المشاركة في الثروة النفطية.   

        يبدأ هذا الفصل بتحليل العلاقة ما بين الجنسية والهوية العرقية. يلي ذلك تحليل لقانون الجنسية الكويتي, ثم يتم تقديم حالة "البدون" كمثال على استثناء إحدى الجماعات السكانية من حقوق الجنسية. أما الجزء الرابع من هذا الفصل, فانه مخصص لتوثيق التمييز الكويتي ضد المهاجرين في البلاد. أخيراً, ينتهي الفصل بمناقشة ما ترتب على ذلك التمييز من نتائج.

        لقد تعرض الفلسطينيون والكثيرون من المهاجرين العرب في الكويت, بعد انتهاء حرب الخليج مباشرة عام 1991, لحملة إرهاب أدت إلى طردهم من البلاد. وفي الحقيقة, فان ذلك لم يكن انتقاماً كويتياً منهم نتيجة لمواقف قياداتهم المؤيدة للعراق, كما ادعت الحكومة الكويتية, وإنما كان استمرارا لسياسة بعيدة المدى ضد المهاجرين عموما والفلسطينيين منهم بشكل خاص. فقد كانت الحكومة الكويتية تبحث عن سبب للتخلص من الفلسطينيين من قبل الحرب. فبدلاً من منح الجنسية للمهاجرين الذين تنطبق عليهم شروط قانون الجنسية, بما في ذلك الفلسطينيون, فإن سياسة الحكومة الكويتية في هذا الخصوص تركزت على مضايقتهم حتى لا يفكروا في الاستقرار في البلاد. فقامت بتبني سياسة تمييز منظمة ضد المهاجرين في كافة مجالات الحياة. وقد حقق ذلك للأسرة الحاكمة جملة أهداف من بينها المحافظة على ولاء المواطنين, الذين لا يرغبون في رؤية المهاجرين وهم يتمتعون مثلهم بنفس المزايا التي تتيحها الجنسية. كما حقق لها قبول المواطنين لتجاوزاتها فيما يتعلق بالممارسات الديمقراطية, بحجة أن التصدي للخطر السكاني الذي يمثله المهاجرون يبرر تلك التجاوزات.

        وينبغي التنويه منذ البداية إلى أن الحكومة الكويتية, أو المتحدثين باسمها, يمكن أن تعزو عدم منح الجنسية للفلسطينيين المؤهلين لذلك لأسباب تتعلق بالصراع العربي~الإسرائيلي, أي أن عدم منحهم الجنسية مقصود حتى يستمروا في نضالهم من أجل حقوقهم في فلسطين. وهذه الحجة الواهية مردود عليها جملة وتفصيلاً. فأولاً, لو كان ذلك هو السبب الحقيقي لتم منح الجنسية لسكان الكويت العرب الذين لا يحملون جنسية, أي البدون, ولباقي المهاجرين العرب من غير الفلسطينيين. ثانياً, إذا كان منح الجنسية الكويتية للفلسطينيين يمكن أن ينسيهم فلسطين, فمعنى ذلك أن الفلسطينيين الذين يحملون جنسيات أخرى في كل القارات قد نسوا فلسطين. وهذا غير صحيح, لأن الإحساس بالظلم الذي تولد نتيجة المأساة الفلسطينية يورث من الآباء إلى الأبناء, الذين استمر ويستمر نضالهم أينما وجدوا لرفع ذلك الظلم. ثالثاً, إنّ هذه المقولة توحي بأن النضال ضد العدوان الإسرائيلي على الأمة العربية هو شأن فلسطيني أولاً وأخيراً. والرد على ذلك أن الصراع العربي~الإسرائيلي في النصف الثاني من القرن العشرين كان جوهره قيام إسرائيل على أنقاض فلسطين عام 1948, ولكن سرعان ما اكتشفت الأمة العربية أن أطماع إسرائيل لا تقف عند حدود فلسطين. فقد قامت إسرائيل باحتلال شبه جزيرة سيناء المصرية مرتين في عامي 1956 و1967, كما احتلت المرتفعات السورية والضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967, وجنوب لبنان ابتداء من عام 1978 واجتياح لبنان واحتلال عاصمته عام 1982. كما قامت الطائرات الإسرائيلية بقصف وتدمير العديد من المنشآت الاقتصادية والحضارية في عديد من الأقطار العربية, خاصة في أقطار الطوق أثناء الحروب, وفي العراق عام 1981. كما عملت إسرائيل باستمرار على تفتيت الوحدة الوطنية في العديد من الأقطار العربية بهدف إضعافها, خاصة مساعداتها للأقليات المتمردة في العراق والسودان, على سبيل المثال. وأدى ذلك كله إلى عرقلة مسيرة التنمية العربية لمدة نصف قرن نتيجة تحويل الجزء الأكبر من موارد الأمة وجهدها للدفاع عن نفسها. بعد هذا كله, فإنه من المؤسف أن تتنصل الحكومات العربية, بما في ذلك الحكومة الكويتية, من مسؤولياتها إزاء المهاجرين الذين يعيشون تحت حكمها لعشرات السنين, فلسطينيين وغيرهم, مستخدمة حجة التصدي للمشروع الإسرائيلي.

 

الجنسية والهوية الثقافية

 

        منذ الاستقلال السياسي عن بريطانيا, في عام 1961, كان هدف السياسات الحكومية الكويتية إبقاء وضع الفلسطينيين في البلاد كمهاجرين إلى ما لا نهاية. فكان يتم التعامل معهم بطريقة تجعلهم يشعرون بأن وجودهم في الكويت سيكون مؤقتا مهما طالت المدة. وكان كثير منهم يمنعون من الحصول على تأشيرات الدخول أو العودة للكويت, الأمر الذي كان يتسبب عنه فصل أفراد العائلة الواحدة عن بعضهم البعض حتى يضطر الجميع لمغادرة البلاد في نهاية المطاف. وكانت الحكومة الكويتية تنكر عليهم حقهم, الذي يكفله لهم القانون الكويتي نفسه, في الإقامة الدائمة والجنسية, ولا تستثني من ذلك حتى مواليد البلاد الذين عاشوا فيها عشرات السنين. وبالرغم من تلك السياسات الجائرة, فإن عدد الفلسطينيين لم يتناقص. وعلى العكس من ذلك, فإنه كان يتزايد باضطراد.

        إزاء فشل تلك السياسات في تحقيق الهدف المرجو منها, اتخذت الحكومة الكويتية عدة إجراءات تهدف إلى وقف دخول الفلسطينيين إلى البلاد. فأصبحت تأشيرات الدخول من الصعوبة بحيث لم يعد بإمكان الموظف العادي استصدار تأشيرات لزوجته وأطفاله ليلتحقوا به. ففي عام 1983, كان الموظف العادي من ذوي الياقات البيضاء, أي من حملة الشهادات الجامعية, يتقاضى حوالي 419 دينارا كويتيا في الشهر.[3] وكان ذلك أقل بكثير من الحد الأدنى, وهو 600 دينار, الذي فرضته الحكومة لدخل الموظف الذي يحق له التقدم بطلب للحصول على تأشيرة لاستقدام أفراد أسرته. وهكذا, فإن غالبية الموظفين وجميع العمال المهرة وغيرهم لم يعد باستطاعتهم الحصول على تأشيرات لإحضار عائلاتهم للعيش معهم في الكويت. وفوق ذلك, بدأ أبناء المهاجرين يفقدون حقهم في الإقامة مع ذويهم عندما يبلغون 21 عاما من أعمارهم أو عندما يبقون خارج البلاد لأكثر من ستة أشهر.[4] ولأن معظم الفلسطينيين ومعهم بقية المهاجرين كانوا محرومين من الالتحاق بالجامعة ومعاهد التعليم العالي الكويتية, لم يكن أمامهم غير السفر للخارج لهذا الغرض. ولكي يتمكنوا من المحافظة على حقهم في الإقامة, كان عليهم العودة للكويت قبل مرور مدة الستة أشهر. ونتج عن ذلك أن عائلات المهاجرين أصبحت تتكلف أعباء مالية كبيرة, فوق طاقتها في معظم الأحوال, لتغطية تكاليف سفر أبنائها مرتين في العام حتى لا يخسروا حقهم في العودة والإقامة في الكويت. وهكذا, أخذ المهاجرون الفلسطينيون يدركون بأن عشرات السنين من العيش والعمل في الكويت لم تكن كافية لإعطائهم حقهم في الإقامة الدائمة أو الجنسية, كما كان يكفل ذلك القانون الكويتي.[5]

        وأهم من ذلك, أن أبناء المهاجرين عموما لا يستطيعون الحصول على الجنسية أو الإقامة الدائمة بناء على ولادتهم في البلاد, كما هو الحال في معظم المجتمعات الغربية وخاصة في الأميركيتين وأستراليا. فحصولهم على الجنسية من شأنه أن يجعلهم يتمتعون بالمساواة في الحقوق والفرص والامتيازات التي يتمتع بها المواطنون. وبالطبع فان مبدأ المساواة لا يزال غريبا على حكام الكويت ومؤيديهم من المواطنين المنتفعين بهذا النظام التمييزي. وفاتهم أن الظلم الاجتماعي يؤدي في النهاية إلى زعزعة الاستقرار السياسي, وبالتالي القضاء على الرخاء الاقتصادي. وبعبارة أخرى, فإن الظلم الاجتماعي الناتج عن السياسات التمييزية الكويتية ضد المهاجرين هو الذي أدى لحالة الغطرسة السياسية التي أسهمت في الوصول بالكويت وبالمنطقة العربية إلى الحالة التي وصلتها. أما أثر تلك السياسات على الفلسطينيين, فانهم قد تيقنوا بأنه "لم يعد لديهم أية ضمانة للتمتع بالخدمات الحكومية المجانية كالتعليم والصحة. كما أضحى واضحاً لهم أن تنافسهم مع المواطنين كان بدون شروط عادلة في مختلف المجالات الاقتصادية."[6]       

        وهكذا, فإن عدم منح المهاجرين الجنسية التي يستحقونها قد أوجد مجموعتين سكانيتين منفصلتين عن بعضهما البعض مادياً ومعنوياً, مع أنهما تعيشان في بلد واحد صغير عبارة عن نصف دائرة نصف قطرها حوالي أربعين ميلاً تقريباً, ومركزها مدينة الكويت. ولم ينعكس هذا الانفصال بين المجموعتين في العيش في مناطق سكنية منفصلة وحسب, بل تعدى ذلك إلى محاولة الكويتيين المتعمدة بأن يكون لهم مظهر مختلف عن المهاجرين. والحقيقة أن تأكيدهم على ارتداء الزي "الوطني" (المصنوع خارج الوطن العربي) قد أعطاهم شعوراً بأنهم كثيرون, مع أنهم في الواقع أقلية في بلادهم. فقد كانوا يمثلون حوالي 55 بالمائة من السكان في عام 1957. ثم تناقصت تلك النسبة إلى حوالي 50.4 بالمائة عام 1961, و47.1 بالمائة عام 1965, و47 بالمائة عام 1970, و 47.5 بالمائة عام 1975, و41.7 بالمائة عام 1980, و40.1 بالمائة عام 1985 (جدول رقم 1.3).

        والجدير بالذكر أن هذه النسب المئوية لا تشمل الكويتيين وحدهم, وإنما البدون أيضاً. فقد عمدت الحكومة إلى المبالغة في نسبة الكويتيين وذلك بإضافة البدون إليهم, مع أن هؤلاء ليسوا مواطنين. ففي عام 1988, أظهرت الأرقام الرسمية أن عدد الكويتيين كان 767,295, يمثلون حوالي 36 بالمائة من سكان البلاد البالغ عددهم 1,958,477 نسمة. وفي عام 1989, فصلت الإحصائيات الحكومية البدون, الذين كانوا يعدون 250,651, عن المواطنين الذين أصبح عددهم 545,738. وهكذا أصبحت نسبة المواطنين 26.7 بالمائة من عدد السكان الإجمالي في البلاد, أي أقل بنسبة 9.3 بالمائة عن العام السابق. وقد أصبح الفلسطينيون والبدون معاً أكبر عدد من المواطنين الكويتيين. ففي عام 1990, وصل عددهم معا إلى 662,324, يمثلون حوالي 30.9 بالمائة من السكان. أما الكويتيون, فقد كانوا 564,262, أي حوالي 26.3 بالمائة من السكان (جدول رقم 1.3). وربما كانت تلك الحقيقة وراء انتهاج الحكومة الكويتية لسياسة التضييق على الفلسطينيين والبدون لإخراجهم من البلاد, حتى لا تكون هناك جالية من المهاجرين تفوق الكويتيين عدداً. وعلى الرغم مما فعلته الحكومة الكويتية, إلاّ أن الكويتيين سيستمرون في كونهم أقلية في بلادهم طيلة القرن الحادي والعشرين, طالما استمروا في إصرارهم على عدم تغيير سياسات التجنيس الحالية بينما تستمر حاجتهم لمزيد من المهاجرين (جدول رقم 2.3).

        وهناك سبب آخر دفع الكويتيين لتمييز أنفسهم في اللباس عن المهاجرين عموماً والفلسطينيين بشكل خاص, بالإضافة إلى الشعور بالكثرة المذكور آنفا, ألا وهو أن الفلسطينيين في غالبيتهم الساحقة عرب ومسلمون مثل الكويتيين. وبالتالي أصبح الزي الكويتي علامة على الهوية العرقية الكويتية وإشارة تعلن أن مرتديه هو كويتي وليس مهاجراً.[7] وقد أدى وجود غالبية من المهاجرين في البلاد إلى التضامن بين أفراد الأقلية من المواطنين الكويتيين, وخاصة بين أفراد الطبقة العليا وأفراد الطبقة السفلى في المجتمع.[8] فحتى يستمر الحكم المطلق في يد الطبقة العليا الحاكمة كان لا بد لها أن تمنح العديد من الحقوق والمزايا للمواطنين من أفراد الطبقة السفلى, الذين كان عليهم في المقابل أن يخدموا نظام الحكم بانخراطهم في قوات الجيش والشرطة والأمن, وبذلك أصبحوا أدوات الأسرة الحاكمة في إرهاب المهاجرين والمثقفين الكويتيين على حد سواء. ولذلك فان أفراد الطبقة الوسطى, وخاصة المثقفين منهم, لم يشعروا بنفس الخطر على هويتهم, وبالتالي فإن كثيراً منهم قد انخرط في الأنشطة السياسية القومية العربية وانضموا للأحزاب السياسية القومية مثل حركة القوميين العرب وحزب البعث العربي الاشتراكي, وذلك خلال السبعينات والثمانينات من القرن العشرين. وقد فسر المثقف الكويتي سلمان العيسى هذا التوجه بأنه كان نتيجة لتفاعل أفراد الطبقة الوسطى الكويتيين مع المهاجرين العرب في البلاد. وأضاف بأن "وجود عدد كبير من غير الكويتيين العرب, وخاصة العرب الفلسطينيين, قد غير توجه (المثقفين) الكويتيين من النظرة القطرية الضيقة إلى النظرة القومية العربية."[9]

        والحقيقة أن السياسات التمييزية التي اتبعتها الحكومة الكويتية, لضمان ولاء الأقلية من المواطنين ولزعزعة استقرار الأكثرية من المهاجرين, نتج عنها آثار غاية في السلبية. فقد أدت تلك السياسات إلى شعور الكويتيين بأنهم متميزون ولا حاجة لهم للعمل.[10] ومصداقا لذلك, أن مشاركة المواطنين الكويتيين في قوة العمل, في الفترة ما بين 1965 و1985, كانت أقل بكثير من نسبتهم السكانية في البلاد ككل (جدول رقم 3.3).

        أما سياسات الحكومة لحل مشكلة عدم التوازن السكاني بين المواطنين والمهاجرين فكانت متقلبة وأحياناً متعارضة, ولكن القاسم المشترك بينها جميعاً كان التضييق على المهاجرين حتى لا يستقروا في البلاد. ومنذ البداية, لم يكن التجنيس خياراً جدياً لحل المشكلة. فخلال الإثنتي عشرة سنة الأولى التي أعقبت الاستقلال, أي ما بين 1961 و1973, تم منح الجنسية الكويتية لحوالي 13,570 شخصا من المهاجرين والبدون. وكان من بين هؤلاء 168 فلسطينياً, و16 أردنياً, و31 مصرياً, و1,320 إيرانياً, و1,655 عراقياً, و 1,738 من جنسيات مختلفة, و8,642 من البدون المولودين في الكويت. وكذلك, تم تجنيس حوالي 38,000 من البدو المعروفين بولائهم للأسرة الحاكمة, في الفترة ما بين 1965 و1970. وهكذا, فان الغالبية العظمى من الذين تم تجنيسهم في تلك الفترة كانوا من البدو والبدون, أي من غير المهاجرين. وقد أدى ذلك إلى استمرار المواطنين الكويتيين في الاحتفاظ بالمزايا التي يتمتعون بها, خاصة الثروة والسلطة, وإلى استمرار تأييدهم القوي للحكومة في المقابل.[11]

        وقد أصبحت سياسة الحكومة واضحة بشأن كيفية حل المشكلة السكانية, ابتداء من عام 1985, وذلك عندما اتخذ مجلس الوزراء قرارات تهدف إلى تحقيق التوازن السكاني بين المواطنين والمهاجرين. وكانت الخطة تهدف إلى أن تتساوى المجموعتان السكانيتان في العدد مع نهاية القرن العشرين.[12] ومع ذلك, فلم تكن الخطة تقضي بزيادة عدد المواطنين عن طريق تجنيس المهاجرين, وإنما بتقليص عدد المهاجرين عن طريق التضييق عليهم, وعلى الأخص إشعارهم بأن الحصول على الجنسية شبه مستحيل, حتى ييأسوا ويغادروا البلاد من تلقاء أنفسهم. وتجلت تلك السياسة الحكومية في قانون الجنسية وتعديلاته المتلاحقة.

 

قانون الجنسية

 

        طبقا للمادة الأولي من قانون الجنسية الكويتي رقم 15 الصادر في عام 1959, فإن الكويتيين هم الذين عاشوا في البلاد بصفة مستمرة منذ عام 1920. وقد منحت المادة الرابعة من القانون وزير الداخلية صلاحية منح الجنسية الكويتية لكل مهاجر عربي يمكث في البلاد لمدة عشر سنوات ولكل مهاجر غير عربي يمكث في البلاد مدة خمسة عشر عاما. ومع ذلك, فقد حددت نفس المادة عدد الذين يمكن تجنيسهم في العام الواحد بخمسين شخصا. وهذا يعني أن القانون كان حبراً على ورق بالنسبة لمئات الآلاف من المهاجرين الذين كانت تنطبق عليهم تلك المادة. وبعبارة أخرى, كان القانون في مادته تلك مناقضا لنفسه.

        وقد تمت مراجعة القانون عام 1966, فأصبح من حق المهاجرين العرب الحصول على الجنسية الكويتية إذا كانوا يعيشون في البلاد بصفة مستمرة منذ عام 1945, وغير العرب إذا ما كانوا من المقيمين في البلاد منذ عام 1930. وقد تصدت المادة الخامسة من القانون رقم 6 لعام 1966 لحل مشكلة التناقض في القانون السابق, أي العدد الضئيل الذي يمكن تجنيسه من الناس سنوياً. لكن ذلك لم يطبق إلا على بدو البدون, أي البدو الذين كانوا لا يحملون أية جنسية, وكان جلهم ممن جاءوا للكويت من السعودية بسبب ولائهم لآل صباح. وكان هؤلاء يتطوعون للعمل في الجيش والشرطة, مما جعلهم في مكانة قريبة من الأسرة الحاكمة كأدوات للنظام. وقد زادت الحاجة إليهم لكبح جماح أفراد الطبقة الوسطى من المتعلمين الكويتيين. ولم يكن المتعلمون من المهاجرين, فلسطينيين وغيرهم, مؤهلين للقيام بذلك الدور. كما أن مستوياتهم التعليمية كانت ستضعهم في نفس الطبقة الوسطى التي ينتمي لها المتعلمون الكويتيون, وبالتالي فان تجنيسهم كان سيؤدي إلى تقوية تلك الطبقة, لا إلى إضعافها والسيطرة عليها, كما كانت تريد الحكومة.

        وقد قام العديد من المثقفين الكويتيين, بما في ذلك أعضاء من الأسرة الحاكمة, بانتقاد قانون الجنسية وتعديلاته وتطبيقاته والتحذير من عواقبه, وذلك قبل أزمة عام 1990 بسنوات. وركزوا في تحذيراتهم على أن التمييز ضد المهاجرين من شأنه أن يؤدي إلى عدم استقرار البلاد, وإلى زيادة اعتماد المواطنين على الحكومة. وتعارضت آراؤهم في ذلك مع خطة الحكومة لحل المشكلة السكانية. فقد دعا سلمان العيسى إلى منح الجنسية الكويتية أو الإقامة الدائمة للمؤهلين لها من المهاجرين العرب, وخاصة الفلسطينيين, كحل أمثل لمشكلة نقص اليد العاملة في البلاد. وحذَّر من استمرار السياسات الحكومية في ذلك الشأن, قائلاً:

"إذا ما استمرت الحكومة الكويتية في سياستها الرامية إلى تغريب الأكثرية من السكان ومن القوى العاملة والتمييز ضدهم, فإن ذلك سيؤدى إلى زيادة التوتر, وربما يكون مصدراً لعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي. وحتى يتم تجنب مثل هذه المشكلات, ينبغي مراجعة وإصلاح قانون الجنسية القائم (آنذاك)."[13]

        وقد ذكرت سعاد الصباح أنه في عام 1980, كان هناك حوالي 84,856 من المهاجرين العرب ممن كانوا يعيشون في الكويت بصفة مستمرة لأكثر من 15 عاماً. وأضافت أنه لو أن الحكومة كانت تتبع سياسة أكثر واقعية في منحها للجنسية والإقامة الدائمة, لكان بإمكان حوالي 150,000 من المهاجرين العرب المطالبة بالحصول على الجنس