مقدمة

القصة الحقيقية لحرب الخليج

 

    في الثاني من أغسطس/آب 1990, قام العراق بغزو الكويت كمحصلة لتطورات تراكمت طيلة القرن العشرين. وردا على ذلك، قامت الولايات المتحدة الأميركية بقيادة تحالف من إحدى وثلاثين دولة أجبر العراق على الانسحاب من الكويت. وقد أدت حرب الخليج التي حدثت عام 1991 لاستشهاد مئات الآلاف من الجنود العراقيين بالإضافة إلى عدة آلاف من المدنيين العراقيين والمدنيين الفلسطينيين في الكويت إثر انتهاء المعركة. وخلال العقد الذي تلا الحرب، فان العراق قد وضع تحت حصار ونظام للعقوبات الاقتصادية أديا لوفاة حوالي مليون ونصف من العراقيين, من بينهم حوالي نصف مليون من الأطفال. فما الذي حدث ليستوجب كل هذا القتل وكل هذه الوفيات؟ لماذا قام العراق بغزو الكويت؟ ولماذا تم تدمير قدرات العراق العسكرية والاقتصادية بدلاً من التوقف عند إنهاء غزوه للكويت؟

       لقد نشرت مئات الكتب عن مختلف جوانب حرب الخليج، ولكن هذا الكتاب يختلف عنها في أنه يحلل الحرب بموضوعية. كما أنه يتعامل مع الأزمة التي أدت لتلك الحرب على أنها إحدى التطورات التاريخية، بدلا من تفسيرها وكأنها حدث عارض أو عمل فوضوي أدى للإخلال بالنظام العالمي. ويتعرض هذا الكتاب للجوانب الأساسية للأزمة وللحرب والتي أغفلتها الغالبية العظمى من تلك الكتب. وهكذا, فان المحصلة النهائية لهذا الكتاب تتمثل في القصة الحقيقية لحرب الخليج والتي تروى هنا بطريقة تحترم ذكاء القراء. كما أن هذا الكتاب يركز بشكل خاص على أسباب وكيفية دخول أميركا هذا الصراع. أخيراً, فان هذا الكتاب ينفرد عن باقي الكتب بميزات ثلاث في هذا المجال. فأولاً, انه ينتقد إدارة بوش على الطريقة التي عالجت بها الأزمة في البداية ثم الحرب بعد ذلك. ثانياً, انه يحلل المصالح الغربية في الوطن العربي, والتي كان لها دورٌ قويٌ في نشأة الأزمة وتطورها. ثالثاً, لأن المؤلف عاش في الوطن العربي, بما في ذلك منطقة الخليج, وفى الولايات المتحدة على حد سواء, فان ذلك قد مكنه من القدرة على تزويد القراء برؤية متعمقة للأحداث من الجانبين العربي والأميركي, الأمر الذي لا يتمتع به معظم من كتبوا عن الموضوع.

        لقد زعم مؤيدو حرب الخليج أنها قد شنت بصفة أساسية لإنهاء الغزو العراقي للكويت ووضع حد لطموحات الرئيس العراقي صدام حسين.[1] هذه المزاعم سيتم بحثها بالعلاقة مع الأهداف الأكثر أهمية للحرب. وبصفة خاصة, فإن البحث سيتركز على الأسئلة الأساسية التالية. أولاً, هل كانت الحرب حقيقة تهدف إلى إنهاء الغزو العراقي للكويت, أم أنها كانت لإعادة فرض هيمنة القوى الغربية الرئيسة -- الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا -- على المنطقة؟  ثانياً, من هم أصحاب المصلحة الحقيقية في الحرب؟ وبكلمات أخرى, ألم يكن تدمير قدرات العراق هدفاً بحد ذاته, لأن العراق كان يمثل تهديداً لإسرائيل في غياب العملية السلمية في الشرق الأوسط؟  ثالثاً, ألم تكن الحرب تمثل فرصة ذهبية لتبرير هيمنة العسكريين على المجتمع, خاصة في الولايات المتحدة؟ أخيراً, ألم تكن الحرب نتيجة لتصاعد الصراع بين الوحدويين والسياديين العرب؟ ذلك الصراع الذي أدى في النهاية إلى طغيان مصلحة الدولة القطرية على المصلحة القومية العربية.

        لم يتطرق معظم المؤلفين إلى كيفية دخول أميركا الحرب. وعلى وجه الخصوص, فإن نفوذ خبراء الشرق الأوسط من أعوان إسرائيل في الإدارة الأميركية لم تتم دراسته في معظم الأعمال التي كتبت عن الحرب. لذلك فإن جزءاً هاماً من البحث في هذا الكتاب هو عن هؤلاء الخبراء. فمن هم؟ وكيف أثروا على الرئيس جورج بوش, وعلى وزير خارجيته جيمس بيكر , وعلى مجلس الأمن القومي الأميركي, في صنع القرارات قبل وبعد الأزمة والحرب؟  للإجابة على هذه الأسئلة, سيكون هناك تركيز على دور هؤلاء الخبراء في دمغ العراق بأنه معاد للولايات المتحدة قبل الغزو بوقت طويل.[2]  ثم كيف تمكن هؤلاء الخبراء من التأثير على مجلس الأمن القومي في جلسته الثانية التي عقدت مباشرة بعد الغزو العراقي للكويت؟ إن دراسة تأثير هؤلاء الخبراء على الرئيس بوش تأخذ المناقشة إلى عدة شئون أخرى لها علاقة بالموضوع, مثل المصالح القومية الأميركية, والرئاسة, والديمقراطية في أميركا.

بالنسبة للحرب نفسها, فان في الكتاب محاولة للإجابة على الأسئلة الأساسية التي نادراً ما التفت إليها المؤلفون الآخرون. وبشكل خاص, هل كانت الإدارة الأميركية مترددة في خوض الحرب أم أنها كانت مصرة على شنها؟ وهل كانت الإدارة الأميركية راغبة في قبول الحلول السلمية للأزمة, أم أنها كانت تصر على عدم السماح للعراق بالانسحاب بدون قتال؟ وأخيرا, هل توقفت الحرب عندما خرجت القوات العراقية من الكويت, أم أنها قد مددت عمداً لتصبح إسرافاً في القتل والتدمير؟

        لقد تم انتقاد الإدارة الأميركية لانتهاجها سياسة ذات معيارين بالنسبة لتنفيذ سياستها في الشرق الأوسط. وهذا الكتاب يحلل تلك السياسة من خلال الإجابة على الأسئلة التالية. أولاً, هل كانت إدارة بوش تتبع نفس المعايير في سياستها الخارجية, أم أنها كانت تتبع سياسة ذات معيارين أدت بها إلى اعتبار الغزو العراقي للكويت على أنه عدوان ينبغي التصدي له, بينما اعتبرت الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية أمراً يمكن تسويته بالمساعي السلمية التي يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية؟ وهل قامت الإدارة الأميركية بالضغط على إسرائيل لتنسحب من الأراضي العربية المحتلة مثلما فعلت لإجبار العراق على الخروج من الكويت؟ ولماذا تم التعايش الأميركي مع الاحتلال الإسرائيلي لعقود عديدة, منذ عام 1967, بينما لم يتم احتمال الغزو العراقي للكويت لأكثر من خمسة أشهر؟ هل كان لذلك علاقة بحقيقة أن خبراء السياسة الخارجية في الإدارة الأميركية كانوا يدعمون السياسة التوسعية الإسرائيلية؟[3] وهل كان ذلك لأنهم كانوا يتجاهلون حتى "دعاة السلام" الإسرائيليين , مثل شمعون بيرس, الذي كان قد توصل إلى اتفاق مع الملك حسين لبدء مسار السلام في عام 1987؟[4] وأخيرا, ألا يمكن لمواقف هؤلاء الخبراء أن تفسر لماذا كانت إدارة بوش تصر على  رفض جميع المبادرات السلمية لحل الأزمة, بحجة أنها كانت "ربطا".[5]

 

فصول الكتاب

 

        هذه الأسئلة ستتم الإجابة عليها في مختلف فصول الكتاب. وسيرى القارئ كيف قامت إدارة بوش بمعالجة الأزمة والحرب في الخليج. ومن خلال البحث والتحليل لهذه الأسئلة وإجاباتها, ستظهر القصة الحقيقية لحرب الخليج. وينقسم الكتاب إلى جزئين, الأول يحتوي على الفصول الخمسة الأولى التي يجمعها كونها خلفية لفهم الأزمة. أما الجزء الثاني, فيضم الستة فصول الأخيرة التي تتناول الأزمة والحرب وما بعدها.

ففي الفصل الأول, سيتم البحث في المطالب العراقية بالكويت, الأمر الذي سيلقى ضوءا على العلاقة الخاصة بين الكويت والعراق, تلك العلاقة التي طالما أغفلت كعامل هام أدى لتطور الأزمة.

لقد وُصف الغزو العراقي للكويت بأنه نتيجة للنزاعات الحدودية والاختلاف على أسعار النفط. وعلى الرغم من أن ذلك كان صحيحاً,[6]  إلاّ أن الأزمة ما كانت تستدعى غزواً عسكرياً لحلها لو أن الأمر كان كذلك فقط. لقد كانت هناك علاقة خاصة بين العراق والكويت. فطيلة القرن العشرين، كان العراق يطالب بالكويت على أنها جزء من أراضيه. والحقيقة أن غزو العراق للكويت عام 1990 كان المحاولة العراقية الرابعة لاستردادها.[7] ونتيجة لتلك العلاقة الخاصة, كان العراقيون يشعرون دائما بأن من واجب الكويتيين مساندة العراق. وهكذا, توقعوا المساندة الكويتية لهم أثناء الحرب العراقية~الإيرانية وبعدها. وقد ظهرت الأزمة إلى العلن عندما بدأت الحكومة الكويتية تطالب العراق بسداد ديون الحرب. وتعمقت الأزمة بعد ذلك عندما لم يستجب الكويتيون لمطالب العراق بتعديل الحدود وبوقف الزيادة في إنتاج النفط, والتي أدت إلى هبوط كبير في الأسعار. وهكذا، فان الفصل الأول يركز على العلاقة الخاصة بين العراق والكويت ، كخلفية ضرورية لفهم تطور الأزمة والحرب.

أما الفصل الثاني , فانه يركز على العلاقة بين السعودية والكويت بهدف إيضاح الدور الهام الذي لعبه السعوديون خلال الأزمة والحرب. فمنذ الساعات الأولى من دخول القوات العراقية للكويت، لجأت الأسرة الحاكمة وأعضاء الحكومة الكويتية للسعودية. ولم يقتصر الدعم السعودي على تقديم اللجوء للكويتيين بل تعداه للموافقة على استقبال وتمويل قوات التحالف. فكيف يمكن تفسير هذا الموقف السعودي المؤيد للكويت؟ صحيح أن إدارة بوش هي التي أقنعت السعوديين لاتخاذ ذلك الموقف.[8] ولكن كان هناك سبب هام آخر، ألا وهو أن الأسرتين الحاكمتين كانتا حليفتين طيلة القرن العشرين. ففي عام 1901، قام حاكم الكويت مبارك الصباح بمساندة عبد العزيز آل سعود في استعادة حكم عائلته لنجد. وقام آل سعود برد الجميل لآل صباح أولاً في عام 1961 عندما ساندوهم ضد المحاولة العراقية الثالثة لاستعادة الكويت. بعد ذلك, توثقت العلاقات بين العائلتين بانضمام الكويت لمجلس التعاون الخليجي, عام 1981.[9] وبالرغم من ذلك ، فالعلاقات بينهما لم تكن دائما ودية، فقد كان بينهما نزاعات حدودية, وحتى قتال في بعض الأحيان, كما يوضح الفصل الثاني من هذا الكتاب.[10]

أما الفصل الثالث , فانه يبحث في علاقات الكويتيين بالمهاجرين الذين قدموا للإقامة والعمل في الكويت. وبشكل خاص, فانه يحلل سوء معاملة هؤلاء المهاجرين من قبل الحكومة الكويتية بهدف فهم أحد جوانب الصراع العربي~العربي. كذلك فانه يساعد في فهم كيفية تعامل الكويتيين مع العراقيين, خاصة الموقف الكويتي إزاء المطالب العراقية بشأن الحدود وإنتاج النفط, وكذلك مطالبة الكويت للعراق بدفع الديون المستحقة عليه بمجرد انتهاء الحرب العراقية~الإيرانية؟  في الحقيقة، لا يمكن فهم ذلك دون ربطه بالطريقة التي تعاملت بها الحكومة الكويتية مع الآخرين. فالمهاجرون في الكويت -- والذين يشار إليهم هناك على أنهم عمالة أجنبية -- قد تعرضوا بانتظام لسياسة تمييز رسمية مما أضر بهم اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا. وكان ذلك من جراء حرمانهم من الإقامة الدائمة والجنسية هم وأبنائهم الذين ولدوا في البلاد وتربوا فيها. [11] وعلى الرغم من أن الكويت ليست القطر العربي الوحيد الذي ينتهج مثل تلك السياسة إزاء المهاجرين، إلا إنها تتميز في ذلك عن باقي الأقطار العربية للأسباب الثلاثة التالية. أولاً، يوجد في الكويت مجموعة سكانية كبيرة من غير المواطنين الذين لا يحملون جنسية أية دولة أخرى، وهؤلاء يطلق عليهم اسم "البدون" أي الذين هم بدون جنسية. وقد عاش هؤلاء عرضة للاستغلال من قبل الحكومة الكويتية التي كانت تشغلهم في أقل الوظائف أجوراً في الشرطة والجيش ، وبدون أن يؤدى ذلك إلى تعديل أوضاعهم القانونية في البلاد. [12] ثانياً, كان في الكويت أكبر جالية فلسطينية خارج فلسطين والأردن. وعلى الرغم من أن الفلسطينيين قد هاجروا للعمل في الكويت منذ الثلاثينات من القرن العشرين، وأنهم قد أسهموا إسهاماً رئيساً في بناء الكويت الحديثة، إلاّ انهم قد تعرضوا للتمييز ضدهم شأنهم في ذلك شأن البدون. كما حرموا كباقي المهاجرين من أي حق في الإقامة الدائمة أو الجنسية مهما امتدت إقامتهم ومهما كانت خدماتهم للبلاد. [13] ثالثاً, لقد أدت السياسات التمييزية الكويتية إلى انفصال مادي ونفسي بين المهاجرين والمواطنين الكويتيين، مما ولد الريبة وفقدان الثقة المتبادل بين المجموعتين، الأمر الذي أدى إلى مرحلة خطيرة من التصعيد وصلت إلى حد حملة الإرهاب التي تعرض لها الفلسطينيون والبدون وكثير من المهاجرين بعد انتهاء الحرب. [14] ومما يدعو للعجب أنه بالرغم من التمييز وسوء المعاملة لهاتين المجموعتين قبل الحرب، إلاّ أن الحكومة الكويتية كانت تتوقع منهما أن تكونا أكثر ولاء لها من المواطنين الكويتيين. وهكذا, وجهت اللوم للفلسطينيين والبدون بعد الحرب, وذلك على بقائهم وعملهم في البلاد أثناء فترة الإدارة العراقية. والحقيقة أنهم, وبعكس الكويتيين, لم يكن بإمكانهم المغادرة إلى أي مكان ولم تمد الحكومة الكويتية في المنفى يد المساعدة لهم كما فعلت إزاء المواطنين الكويتيين. وقدم هؤلاء للكويتيين ككبش فداء, وكتبرير للحملة الإرهابية ضدهم بعد الحرب, والتي أشغلت الكويتيين عن مساءلة حكومتهم عن مسئوليتها عن الأزمة والحرب. وبينما ستتم مناقشة الحملة الإرهابية ضد الفلسطينيين في الفصل